الرئيسية / أخبار / أين دولنا من مراقبة ومحاسبة المنظمات الأممية التي تعبث بمصائرنا؟!

أين دولنا من مراقبة ومحاسبة المنظمات الأممية التي تعبث بمصائرنا؟!

رزان أكرم زعيتر

سؤال يؤرقني إلى متى ستظل المنظمات الدولية بلا مساءلة وبلا رقابة وتفتقد لأدنى معايير الشفافية؟؟ فمن سيحاسب برنامج الغذاء العالمي على شراكة تعود إلى عام 2019 مع بلانتير التي تم توقيعها بما لا يثير الدهشة أثناء ولاية المدير التنفيذي للبرنامج المسيحي المتصهين ديفيد بيزلي أحد المقربين من السفير الأمريكي في إسرائيل سيء السمعة مايك هاكابي؟!

منذ بدء الإبادة في غزة، تكررت الاعتراضات الشبيهة بما قامت به امرأة فلسطينية قاطعت جلسة للرئيس التنفيذي لشركة بلانتير، أليكس كارب، في واشنطن في نيسان 2025، متهمة شركته بالاسترزاق من قتل الفلسطينيين، فرد ساخراً بأن معظم القتلى إرهابيون. بيد أن اللافت في الأمر أن يكون فيديو الاعتراض جزء من مرجعيات تقرير المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، فرنشيسكا ألبانيز والمعنون من “اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية” المرفوع إلى الدورة 59 من مجلس حقوق الإنسان لعام 2025. ففي هذا التقرير دخلت ألبانيز أرض المحرمات ولم تكتفِ باتهام إسرائيل بالإبادة وحدها، بل فضحت صراحة تورط شركات تجارية بعينها في الإبادة ومنها بلانتير التي تقدّم لبرنامج الغذاء العالمي (WFP) خدمات تحليل ودمج البيانات عبر منصاتها بهدف إدارة سلاسل الإمداد لإيصال الغذاء والمساعدات النقدية إلى أكثر من 90 مليون شخص سنوياً حول العالم!

كيف يمكن لمنظمة أممية إنسانية، وظيفتها الأساسية تقديم الغذاء لضحايا الحروب والمجاعات، أن تدخل في شراكة مع شركة مثل بلانتير، التي تُعد ركيزة أساسية في المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي؛ فبلانتير، وهذه ليست معلومات سرية، ليست مجرد شركة تقنية، بل هي مقاول عسكري حيث تأسست بعد أحداث 11 أيلول بتمويل مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، وانطلقت من مبادئ معلنة تدعم الهيمنة العسكرية الأمريكية، عدا عن الشراكة مع الجيش الإسرائيلي والأمريكي ووكالات أمنية لمراقبة السجون والحدود.

ما يثير الدهشة بجانب تلك الشراكة انتقال بعض موظفي برنامج الغذاء العالمي للعمل في بلانتير! ألا يعد ذلك تضارب مصالح؟ بل إن هذا السلوك “المريب” للبرنامج الذي تنتشر فروعه في جميع أنحاء العالم والقشة التي قصمت ظهر البعير وصل إلى كشف بيانات شخصية لحوالي 600,000 أسرة في غزة، منها الأسماء وأرقام الهوية والهواتف والموقع وذلك عقب الهجوم السيبراني على البرنامج. ولا يُعد الأمر حادثاً عادياً بل اعتداء موجّهاً ضد قاعدة بيانات إنسانية حساسة، لشعب يواجه إبادة جماعية وتهجيراً قسرياً وتجويعاً ممنهجاً ويغذي مراقبة الاحتلال وهجماته الإبادية.

بالنسبة لي الأمر غير مفاجئ لا سيما وأن العقلية التي يدار بها البرنامج تبدي تحيزاً واضحاً فقد شاركت مديرته التنفيذية السابقة، سيندي ماكين، في منتدى هاليفاكس الأمني بكندا (في تشرين الثاني 2023)، حيث تحدثت عن العلاقة بين الصراع والجوع متجاهلة مأساة غزة، وجلست بجانب إيهود باراك بصفتها الاعتبارية لا الشخصية، فيما منح المنتدى جائزته لشعب إسرائيل وقبلتها منظمة تدعم المستوطنين والجيش. وقد تحركنا حينها وسلّمت العربية لحماية الطبيعة (المنظمة التي أرأسها) رسالة للأمين العام للأمم المتحدة السيد أنتونيو غوتيريش، من خلال المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في الأردن، شيري ريتسيما- أندرسون، نيابة عن 124 منظمة مجتمع مدني عربية ودولية عاملة في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والبيئة وحقوق الإنسان، للمطالبة بمحاسبة ماكين وإقالتها.

إن شرعية المنظمات الأممية مستمدة من دعم واعتراف واستقبال وتعاون الدول والشعوب على أساس قيامها بمهماتها الإنسانية وقد وجهت شخصياً انتقاداً مباشراً حول ذلك في حوار دُعيت له كمتحدثة عُقد في تموز 2025 في مركز برنامج الغذاء العالمي في روما. قلت آنذاك “أيعجز البرنامج عن إدخال بذرة طماطم واحدة إلى غزة؟! ولماذا لم تبدأ منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) بإحياء النظام الغذائي المحلي منذ الأيام الأولى للإبادة؟” وختمتُ بتساؤل جوهري موجه إلى الأمم المتحدة والجهات الفاعلة في لجنة الأمن الغذائي العالمي: لماذا جرى تعطيل إطار العمل الذي كُرّس لضمان السيادة الغذائية على أساس سلام عادل ودائم؟ مؤكدة أن النظام العالمي الحالي أثبت أنه عاجز تماماً عن التعامل المهني والأخلاقي مع الاحتلال العسكري أو الاستيطاني الاستعماري، وعلى الرغم من الحديث المستمر للمنظمات الأممية عن الحق في الغذاء ولكن سلوكها الفعلي والمحابي وإدارتها للموقف تعني أنها لا تعترف بحق الغزيين بالحياة أصلاً.

لنا أصدقاء ومعارف يعملون في المنظمات الأممية ونعرف طيب نواياهم ومحاولاتهم الجادة لتصويب البوصلة الإنسانية، وبالتأكيد هناك زملاء كثيرون لهم مجهولون يعملون بصمت وربما يتألمون كألمنا وأكثر، ولكن مشاعرنا النبيلة جميعاً لن تغير في الأمر الواقع إذا لم تقف دولنا كجنوب عالمي مدققة في دور هذه المنظمات، فنحن كثيراً ما نجد أنفسنا نتعامل مع “شركات” أممية عابرة للحدود تجمع التبرعات في كف وتتجسس علينا في الكف الآخر كما لو كنا حفاة عراة أمام برامجهم الاستباحية.