الرئيسية / أخبار / تمركز إسرائيلي عسكري في «أرض الصومال»: قراءة يمنيّة في الخطر الداهم

تمركز إسرائيلي عسكري في «أرض الصومال»: قراءة يمنيّة في الخطر الداهم

احمد الاغبري

مع تداول أنباء تمركز عشرات من الجنود الإسرائيليين في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) صعدّت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) في اليمن، من لغة تهديدها باستهداف هذا الحضور، الذي يمثل تهديدًًا استراتيجيًا لأمن اليمن والمنطقة.
وقال زعيم الجماعة، عبد الملك الحوثي، إنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه أي تمركز إسرائيلي في أرض الصومال.
وهدد باتخاذ خطوات عملية واستهداف الحضور الإسرائيلي هناك، قائلًا: لن ننتظر المتخاذلين والمفرطين من الأنظمة، بل سنبادر في أي وقت يقوم العدو الإسرائيلي بأي تمركز في أرض الصومال باستهدافه بكل الوسائل المتاحة.
وأردف: نرصد بكل اهتمام مجريات الوضع في أرض الصومال، وما يسعى له العدو الإسرائيلي من أن يحولها إلى موطئ قدم له.
وكان نائب وزير الخارجية في حكومة الجماعة، عبد الواحد أبو راس، قد أكّد، في وقت سابق، أنهم يتابعون «الأنشطة الصهيونية» في الإقليم.
ونقلت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» بنسختها التابعة للجماعة، عن أبو راس قوله: «إن الخاسر الأكبر هو الشعب الصومالي الشقيق، والتحركات الإسرائيلية في الصومال تهدف إلى تمزيق وحدته وسيادته وتحويل أرضه إلى ساحة صراعات للقوى الدولية والإقليمية، وسيكون الثمن فادحاً والخسارة كبيرة للأمن والاستقرار ليس للصومال فحسب وإنما على المنطقة برمتها».
وبيّن «أن الصمت على التحركات الصهيونية ستكون تكلفتها باهظة»، مؤكدًا «أن أمن اليمن والمنطقة خط أحمر».
وكانت وسائل إعلام نقلت عن مسؤول في الحكومة الصومالية إفادته بإن إسرائيل نشرت قوة عسكرية صغيرة قوامها نحو 50 جنديًا من أصول أفريقية في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) مطلع عام 2026.
بينما نفت حكومة أرض الصومال ومسؤولون إسرائيليون وجود قواعد عسكرية رسمية حتى الآن.
وطبقًا لتقارير، فإن اختيار إسرائيل لنشر جنود من أصول أفريقية جاء بهدف عدم لفت الانتباه في الإقليم. وأفادت مصادر بأن الانتشار جرى بالتزامن مع تصاعد التوترات العسكرية بين إسرائيل وإيران أواخر شباط/فبراير الماضي.
ونقلت وسائل إعلام عن وزير دفاع أرض الصومال، قوله إن إسرائيل تقدّم تدريبات ومساعدات لقوات الجيش والشرطة المحلية.
وبينما نفى مسؤول أمني إسرائيلي صحة أنباء نشر القوات، أشار وزير الأمن الإسرائيلي إلى وجود تعاون أمني سري مستمر منذ سنوات مع الإقليم.
تأتي هذه الخطوات عقب اعتراف إسرائيل رسميًا بأرض الصومال كدولة مستقلة في كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتؤكد مصادر أن تل أبيب تسعى من خلال هذا التقارب إلى توسيع نفوذها اللوجستي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن لمواجهة التهديدات الإقليمية، وفي مقدمتها التهديدات القادمة من اليمن.
وآخر تطورات هذا التقارب زيارة رئيس إقليم أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله، إلى إسرائيل في 14 حزيران/يونيو، في أول زيارة رسمية بعد أن اعترفت إسرائيل بالإقليم. وهدفت الزيارة إلى فتح سفارة للإقليم في مدينة القدس؛ وهي الخطوة التي قوبلت برفض عربي واسلامي شديد اللهجة.
ما أظهره رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من حفاوة بزيارة رئيس الإقليم الصومالي يعكس ما تبديه إسرائيل من اهتمام، وما توليه من أهمية لهذا التقارب، انطلاقًا من إدراكها لما سيدر عليها من عوائد على صعيد الأمن الاستراتيجي وتعزيز الحضور الإقليمي.
قراءة في الخطر الداهم
الاعتراف الإسرائيلي بإقليم انفصالي (أرض الصومال)، وهو الإقليم المُتَاخِم لليمن، والمُتَّصِل بباب المندب وامتداد البحر الأحمر؛ وُصُولاً إلى قناة السُّويس، يمثل خطرًا داهمًا على المنطقة، من خلال ما يمثله من تهديد للجزر والشواطئ اليمنية والعربية في البحر الأحمر والخليج العربي.
يقول نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، المفكر عبدالباري طاهر، لـ«القدس العربي»: «يجيء هذا الاعتراف المنابذ للأعراف الديبلوماسية والقوانين الدولية لتعميق الانقسامات وَالتَّمزُّق داخل الشعوب العربية والمجاورة المؤيدة للقضايا العربية، ثُمَّ وضع قدم القُوَّة الإسرائيلية؛ لِيَمتدَّ التَّهديد الإسرائيلي إلى المنطقة العربية».
ويضيف أن «الوجود العسكري في أرض الصومال يُمَكِّن الجيش الإسرائيلي من النُفُوذ على عشرات الجزر والشواطئ اليمنية والعربية في البحر الأحمر والخليج العربي؛ وهي قوة تمتلك كُلَّ وسائل المكنة العسكرية والاستخباراتية الحديثة؛ في ظِلِّ غِياب القوة اليمنية تَمامًا، وضعفها في الجانب العربي».
ويعتقد طاهر أن خطر الحضور الإسرائيلي في الإقليم على الأمن القومي في اليمن أفدح.
ويقول: «والخطر الداهم وإن كان يعمّ الأمَّة العَربيَّة والأمن القومي؛ فَإنَّ خطره على اليمن المُفَكَّكة وَالمُمزَّقَة والتي يراد لها نفس مصير أرض الصومال. وهناك طرف يمنيّ مسلح تابع لدولة الإمارات في الجنوب اليمنيّ يعمل على ذلك ويعلنه».
ويضيف: «أمَّا نشر إسرائيل لعشرات من جنودها فهو واقع؛ ليس في أرض الصومال فحسب، وإنَّمَا يدور الحديث عن إنشاء الإمارات العربية المتحدة مطارًا في ميون؛ وَهُوَ ما يعني وجودًا إسرائيلاً مباشرًا. فدولة الإمارات، رغم الثروة، أصغر من أن تُهدِّد اليمن والأمن القومي العربي والأمَّة كلها. وللإمارات حُضُور قَوي في كُلِّ الجُزُر اليمنية الكثيرة، وفي موانئ عدن، وشبوة، والمخا».
وأشار عبد الباري طاهر إلى أن «القَوس الممتد من تَلّ أبيب، إلى أبو ظبي، إلى البحرين، إلى أرض الصومال، والجولان، وجبل الشيخ، والجنوب اللبناني؛ والحاضر بِقُوَّة في حرب الإبادة في السُّودان، وفي التفكيك والانقسامات في ليبيا، والعراق، واليمن، وَالصُّوَمال- كله مُؤشِّر على أنَّ المخطط الصهيوني الأمريكي الذي يُشير إليه كتاب الزعيم الصهيوني بيريز (الشَّرق الأوسط الجديد)، وَيَخُطُّهُ كتاب (مكان تحت الشمس)، لنتنياهو الذي يكتبه بالدِّم بدلاً من المداد- هذا القوس لا يزال يمتد ويصل إلى إيران، وَرُبَّما إلى أبعد من ذلك».
ويرى «أنَّ الخلل في النهج والسِّياسَات والخطاب العربي منذ 1948 و1956، 1967، وما بعد هو الاعتقاد والتأكيد أنَّ إسرائيل قد فشلت في تحقيق أهدافها؛ وفي ذلك الاعتقاد والخطاب قَدرٌ من الصَّواب، وَكَثيرٌ من الخَطَأ».
ويقول: «صحيح أنَّ الصهيونية لم تحقق كَاملَ حلمها في فرض التَّهجِير على كُلّ الشَّعب الفلسطيني، ولم تقم الدَّولة اليهودية من البحر إلى النهر، ولم يستطع ترامب ونتنياهو إقامة الشرق الأوسط الجديد الذي وعدا به؛ ولكن الأصحَّ أنَّ ما تحقق منذ 1948 حتى اليوم الشيء الكثير؛ ففلسطين كلها في قبضة الفاشي الإسرائيلي، وغزة تحت وطأة الإبادة بعد التدمير الشامل، واحتلال 70 في المئة من أراضيها، وَالضَّفة تحت الاستيطان، وكذلك العاصمة السورية ومناطق واسعة منها مُحتلَّة، وجنوب لبنان محروب ومحتل أيضًا، والمنطقة العربية كلها تحت التهديد، وأنظمتها إمَّا متواطئة، أو مستكينة. والمأساة أنَّ تنفيذ المُخَطَّط الذي بدأ منذ بازل لا يزال قَائِمًا، بينما إرادة الأمة العربية ومقاومتها في لحظة انكسار وضعف».
الوجود العسكري في ميناء بربرة
وعن الوجود العسكري الإسرائيلي في ميناء بربرة الصومالي مستقبلا، شدد عبدالباري طاهر على أنه «لا ينبغي الاستهانة بالوجود العسكري الإسرائيلي في ميناء بربرة؛ فَهُوَ يعني حُضُورًا في باب المندب، وفي مَيُّون، وفي الموانئ اليمنية المشاطئة؛ ويعني- في أهم ما يعني- أنَّ أمن البحر الأحمر والبحار العربية يصبح في قبضة القوة الإسرائيلية؛ وذلكم تهديد للأمن القومي».
وفيما يتعلق بما هو مطلوب من اليمن والدول المشاطئة للبحر الأحمر، فهو كما يقول طاهر: «أولاً إدراك هذا الخطر. فَمَا هو حاصل الآن في اليمن أنَّ كل قادة الميليشيات هنا وهناك؛ كل واحد منهم يعتقد أنَّ الخطر الحقيقي هو أخوه الذي ينازعه السُّلطة والنفوذ؛ وقد يلتجئ للعدو في مواجهة أخيه. والشعب اليمني، والإرادة اليمنية مفككة ومتصارعة ومطحونة، وخطاب الحاكمين غير مُجدٍ؛ لأنَّ مصالحهم الأنانية الضَّيِّقَة هي كُلُّ شَيء، ولا يعيرون أي اعتبار واهتمام لأوضاع شعبهم وقضايا أمَّتِهِم».
وأضاف: «المواطن اليمنيّ الآن يعاني المجاعة وفقدان وسائل الحياة الطبيعية: الماء، والكهرباء، والدخل اليومي، والعدالة، التعليم، والتطبيب، ويفتقر إلى الأمن والاستقرار والسَّلام في ظل التهديد بالحروب المستدامة، وغياب الحرية بِكُلِّ المعاني».
ويؤكد نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق، أن «المطلوب الحقيقي يقظة الأمة العربية كٌلها، ويقظة الشُّعوب العربية، وإدراك الخطر المزدوج والمركب الذي يتشارك فيه الحكم المتواطئ أو الضعيف الممالئ، مع الخطر القائم والمجتاح والمُحتلّ لِغَزَّة، والضَّفَّة، وجنوب لبنان، وَالجُولان، ويصل إلى إيران وأبعد من ذلك».