الرئيسية / أخبار / من الحرب إلى الاحتواء: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد التصعيد؟

من الحرب إلى الاحتواء: هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد التصعيد؟

د. شهاب المكاحله

في خضم الاحتفالات المتناقضة التي أعقبت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، برز مشهد سياسي غير مألوف في المنطقة: إسرائيل تتحدث عن خسارة سياسية، وإيران تتحدث عن انتصار استراتيجي، فيما تبدو واشنطن وكأنها تحاول تسويق اتفاق لا يريد أي طرف الاعتراف بأنه تنازل للطرف الآخر.

بعيداً عن لغة المنتصر والمهزوم، فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية حرب ولا بداية سلام، بل انتقالاً محسوباً من مرحلة المواجهة العسكرية إلى مرحلة الاحتواء السياسي. فالحرب التي اندلعت تحت شعارات كبرى، من إسقاط النظام الإيراني إلى إنهاء المشروع النووي وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، انتهت دون تحقيق أي من هذه الأهداف بصورة حاسمة.

المفارقة أن ما عجزت عنه الصواريخ والطائرات تحاول الدبلوماسية تحقيقه اليوم. فالولايات المتحدة أدركت أن استراتيجية الضغط الأقصى وصلت إلى حدودها العملية، وأن تكلفة المواجهة المفتوحة مع إيران باتت أعلى من مكاسبها. لذلك يبدو أن واشنطن اختارت العودة إلى منطق إدارة الصراع بدلاً من حسمه.

في المقابل، نجحت إيران في تجاوز أخطر اختبار أمني وعسكري تواجهه منذ عقود دون انهيار النظام أو تفكك مؤسسات الدولة. وهذا بحد ذاته يمنحها مساحة للمناورة السياسية، حتى وإن كانت التحديات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لا تزال قائمة. ولذلك فإن الحديث عن “انتصار إيراني ساحق” لا يقل مبالغة عن الحديث السابق عن “هزيمة إيرانية كاملة”.

أما إسرائيل، فتجد نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية. فمنذ سنوات طويلة بنت المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية خطابها على أن التهديد الإيراني يجب أن ينتهي بصورة نهائية. لكن أي تفاهم أمريكي ـ إيراني لا يؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي أو إسقاط النظام في طهران سيُنظر إليه داخل إسرائيل باعتباره تراجعاً عن تلك الوعود. ولهذا السبب جاءت الانتقادات الإسرائيلية للاتفاق أكثر حدة من الانتقادات الإيرانية نفسها.

الساحة اللبنانية تمثل الاختبار الأهم لهذا التحول. فلبنان لم يعد مجرد جبهة فرعية في الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، بل أصبح معياراً لقياس قدرة الاتفاق على الصمود. وإذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، أو إذا ردت إيران أو حزب الله على أي خرق محتمل، فإن التفاهم بأكمله قد يدخل مرحلة خطرة من التآكل التدريجي.

لكن الأهم من كل ذلك هو أن المنطقة تشهد تحولاً في فلسفة إدارة القوة. فواشنطن لم تعد مستعدة لمنح حلفائها تفويضاً مفتوحاً لإدارة الحروب كما كان يحدث في العقود السابقة. كما أن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن المظلة الأمريكية غير محدودة أو غير مشروطة. وفي المقابل، تدرك إيران أن أي مواجهة شاملة جديدة قد تهدد المكاسب التي حققتها من خلال الصمود.

لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من ربح الحرب ومن خسرها. السؤال الأهم هو: هل تستطيع القوى الإقليمية التكيف مع واقع جديد يقوم على التوازن والاحتواء بدلاً من الحسم والإقصاء؟

الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإذا نجحت الأطراف في تحويل وقف إطلاق النار إلى مسار تفاوضي مستدام، فقد نشهد بداية مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي. أما إذا تحولت الساحات المفتوحة، وفي مقدمتها لبنان، إلى أدوات لتقويض التفاهمات الناشئة، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام جولة أكثر خطورة من الصراع، ولكن بأهداف أقل وضوحاً وكلفة أعلى على الجميع.

في النهاية، لا يبدو أن أحداً انتصر بصورة كاملة، كما لا يبدو أن أحداً هُزم بصورة كاملة. ما حدث هو إعادة رسم لقواعد اللعبة، والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت هذه القواعد ستقود إلى تسوية طويلة الأمد أم إلى هدنة مؤقتة تسبق مواجهة جديدة.

الساحة اللبنانية تمثل الاختبار الأهم لهذا التحول. فلبنان لم يعد مجرد جبهة فرعية في الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، بل أصبح معياراً لقياس قدرة الاتفاق على الصمود. وإذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل لبنان، أو إذا ردت إيران أو حزب الله على أي خرق محتمل، فإن التفاهم بأكمله قد يدخل مرحلة خطرة من التآكل التدريجي.

غير أن الخطر الأكبر قد لا يكون في الخروقات الحالية بحد ذاتها، بل في الاعتقاد الخاطئ بأن المنطقة تجاوزت مرحلة الحرب. فالمؤشرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية توحي بأن ما يجري اليوم قد يكون مجرد هدنة مؤقتة أو فترة لإعادة التموضع وإعادة بناء القدرات. وخلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة، قد تجد الأطراف نفسها أمام انهيار تدريجي لمسار التفاهمات إذا تعثرت المفاوضات أو تصاعدت الاحتكاكات في لبنان أو سوريا أو الخليج.

وفي هذا السياق، لا يمكن استبعاد احتمال عودة المواجهة العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وإذا اندلعت جولة جديدة من الصراع، فمن المرجح أن تكون أكثر شدة واتساعاً من الحرب السابقة، لأن الأطراف كافة ستكون قد استوعبت دروس المواجهة الأخيرة، وأعادت ترتيب أولوياتها العسكرية، وعززت جاهزيتها العملياتية. وعندها لن يكون الهدف مجرد توجيه رسائل ردع متبادلة، بل محاولة فرض وقائع استراتيجية جديدة على الأرض قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بأسرها.

الأخطر في المشهد الحالي أن وقف إطلاق النار لا يبدو نهاية للصراع بقدر ما يبدو استراحة عملياتية لجميع الأطراف. فالقضايا الجوهرية التي أشعلت المواجهة لم تُحل بعد، بل جرى تأجيلها إلى طاولة مفاوضات لا تزال نتائجها غير مضمونة.

ومن هنا، فإن المنطقة قد تكون أمام نافذة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسابيع أو بضعة أشهر قبل أن تعود التوترات إلى الواجهة. فإسرائيل لا تزال تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني وإلى نفوذ طهران الإقليمي باعتبارهما تهديداً وجودياً، فيما ترى إيران أن أي محاولة لتقويض نفوذها في لبنان أو سوريا أو العراق تمثل استهدافاً مباشراً لأمنها القومي.

إذا فشلت المفاوضات الجارية، أو إذا شهدت الساحة اللبنانية أو السورية تصعيداً غير محسوب، فإن احتمالات اندلاع مواجهة جديدة سترتفع بصورة كبيرة. وفي هذه الحالة، قد تكون الحرب المقبلة أكثر اتساعاً وأشد تدميراً من المواجهات السابقة، لأن جميع الأطراف ستكون قد استخلصت دروس الجولة الأخيرة، وستدخل أي صدام جديد بقدرات عسكرية أكبر، وأهداف سياسية أكثر وضوحاً، واستعداد أقل لتقديم التنازلات.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت المنطقة خرجت من دائرة الخطر، بل ما إذا كانت القوى الدولية والإقليمية قادرة على منع الجولة التالية قبل أن تصبح أمراً واقعاً.