د. شهاب المكاحله
لم يكن الحديث المتداول عن إمكانيّة نقل القواعد العسكريّة الأمريكيّة من الخليج إلى “إسرائيل” مجرّد تسريب عابر أو مناورة تكتيكيّة مرتبطة بظرف عسكري طارئ، بل هو مؤشّر عميق على تحوّل استراتيجي يطال جوهر العلاقة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الخليج. ما نشهده اليوم ليس إعادة تموضع جغرافي فحسب، بل إعادة تعريف لوظيفة المنطقة برمّتها ضمن أولويّات النظام الدولي الجديد.
على مدى عقود، قامت معادلة الأمن الخليجي على افتراض بسيط لكنه بالغ التأثير: الحماية مقابل الموارد. وفّرت الولايات المتحدة مظلّة أمنيّة شاملة، بينما ضمنت دول الخليج استقرار تدفّق الطاقة والاستثمارات. هذه المعادلة لم تكن مجرّد اتفاق سياسي، بل تحوّلت إلى عقيدة شبه وجوديّة حكمت سلوك الأنظمة، ووجّهت خياراتها الاستراتيجيّة، وأعفتها – إلى حدّ كبير – من بناء منظومات دفاعيّة مستقلّة.
غير أنّ التطوّرات الأخيرة، خصوصًا في ظلّ تصاعد التوتّر مع إيران، كشفت هشاشة هذا النموذج. فالقواعد الأمريكيّة، التي اعتُبرت لعقود حصونًا منيعة، باتت عرضة للاستهداف، وأصبحت كلفة الدفاع عنها تفوق العائد الاستراتيجي منها في نظر صانع القرار الأمريكي. وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي: من نموذج الانتشار المباشر إلى نموذج “الإدارة عن بُعد”، ومن الالتزام المفتوح إلى الشراكات المشروطة.
في هذا السياق، يبرز طرح “إسرائيل” كبديل أمني محتمل، ليس فقط بسبب قدراتها العسكريّة والتكنولوجيّة، بل أيضًا لأنها تمثّل حليفًا “منخفض الكلفة” بالنسبة لواشنطن، مقارنة بالانتشار العسكري الواسع في الخليج. لكن هذا الطرح، وإن بدا تقنيًا، يحمل في طيّاته انقلابًا عميقًا في ميزان القوى الإقليمي. فقبول هذا التحوّل يعني ضمنًا انتقال مركز الثقل من العواصم الخليجيّة إلى محور جديد تُعاد فيه صياغة الأدوار والوظائف.
المعضلة التي تواجهها دول الخليج اليوم ليست عسكريّة بحتة، بل بنيويّة. فهي لم تُطوّر منظوماتها الأمنيّة على أساس الاستقلال، بل على أساس الاستضافة. لم تبنِ جيوشًا بعقيدة قتاليّة متكاملة، بل استثمرت في شراء الأمن. ومع تغيّر قواعد اللعبة، تجد نفسها أمام واقع جديد: الحماية لم تعد مضمونة، والراعي لم يعد مستعدًا لتحمّل الكلفة ذاتها.
ردود الفعل الخليجيّة حتى الآن تبدو أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى إعادة صياغة الاستراتيجية. تنويع الشراكات، التقارب مع قوى دوليّة كالصين وروسيا، ومحاولات خفض التوتّر مع إيران، كلّها خطوات مهمّة، لكنها تظلّ تكتيكيّة ما لم تُترجم إلى رؤية أمنيّة مستقلّة. فالعالم يتّجه نحو تعدّدية قطبيّة، حيث لا مكان للرهان المطلق على قوّة واحدة.
السيناريو الأخطر لا يكمن في نقل القواعد، بل في الانكفاء الأمريكي التدريجي. في هذه الحالة، لن يكون هناك بديل جاهز، بل فراغ أمني حقيقي يفرض على دول الخليج إعادة بناء منظوماتها الدفاعيّة من الصفر، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني خارج معادلة “النفط مقابل الحماية”.
ما يحدث اليوم هو نهاية مرحلة، وليس مجرّد تعديل في السياسات. نهاية وهم استمرّ لعقود، مفاده أنّ الثروة كفيلة بشراء الأمان، وأنّ هناك قوّة خارجيّة مستعدّة دائمًا للدفاع مهما كانت الكلفة. هذا الوهم يتلاشى، ليكشف واقعًا أكثر تعقيدًا، حيث تُقاس التحالفات بميزان المصالح الباردة، لا بالالتزامات التاريخيّة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنقل قواعدها، بل ما إذا كانت دول الخليج مستعدّة لمواجهة عالم بلا مظلّة دائمة. في هذا العالم، لا يُشترى الأمن، بل يُبنى. ولا تُمنح الحماية، بل تُنتزع عبر توازنات دقيقة واستقلال استراتيجي حقيقي.
إنها لحظة الحقيقة… إمّا إعادة تعريف الذات، أو البقاء على هامش نظام إقليمي يُعاد تشكيله دون استئذان.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
