د. شهاب المكاحله
أولا: مقدمة – حرب خارج منطق الضرورة
في بيئة دولية تتسم بتسارع تحولات موازين القوى وتداخل الصراعات الإقليمية مع حسابات القوى الكبرى، تبرز ظاهرة تآكل العقلانية الاستراتيجية كأحد أخطر العوامل المهددة للاستقرار. فالحروب لم تعد تُخاض دائمًا استجابةً لضرورات وجودية واضحة، بل باتت تنشأ أحيانًا من تفاعلات معقدة بين الإدراك السياسي، وضغوط الداخل، وسوء تقدير نوايا الخصوم.
ويُجسّد النزاع الافتراضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران هذا النمط بوضوح؛ إذ يبدأ كتدخل محسوب ضمن إطار الردع والاستباق، لكنه سرعان ما ينزلق إلى مسار تصعيدي ذاتي، منفصل عن أهداف سياسية محددة أو قابلة للتحقيق. وهنا تبرز المفارقة المركزية: القوة العظمى قد تجد نفسها منخرطة في حرب لا تعكس أولوياتها الاستراتيجية بعيدة المدى، بل تتشكل تحت ضغط إدراكات حليف أصغر وأكثر انكشافًا للمخاطر.
وقد عبّر ثوسيديدس بدقة عن طبيعة هذا الانزلاق حين قال: “الحرب مُعلّم عنيف”—غير أن قسوة الدرس هنا لا تكمن فقط في موازين القوة، بل في حدود قدرة الأنظمة السياسية على ضبط اندفاعها نحو صراعات تقوّض مصالحها بدلًا من حمايتها.
ثانيا: عدم تكافؤ التحالف والوقوع في فخ استراتيجي
يكمن في صلب هذا السيناريو خلل بنيوي لطالما شغل نظرية التحالفات: خطر أن يدفع الحليف الأصغر شريكًا أقوى إلى صراع لا ينوي خوضه بالكامل. في هذا السياق، تبدو إسرائيل كفاعل محفّز للتصعيد، مستفيدة من قربها الجغرافي، وإحساسها الحاد بالتهديد، وقدرتها على التأثير في دوائر صنع القرار الأمريكي.
إن ما يُنظر إليه كحسم تكتيكي سريع قد يتحول، عند ترجمته إلى مستوى الاستراتيجية الكبرى، إلى عبء بنيوي يرهق القوة العظمى بدل أن يعزز أمنها. وهنا تبرز دلالة مقولة مكيافيلي: “الحكيم يفعل فورًا ما يفعله الأحمق في النهاية”—غير أن التعجيل بالفعل، حين يُفصل عن حسابات المآلات، قد يؤدي إلى انخراط متدرج في صراع مفتوح.
ويزداد هذا الخلل خطورة في ظل غياب الشرعية القانونية: فلا تفويض من مجلس الأمن تحت الفصل السابع، ولا مصادقة من الكونغرس وفقًا للدستور الأمريكي وقانون صلاحيات الحرب لعام 1973. وبهذا، يتحول التدخل من عمل مؤسس على قواعد النظام الدولي إلى مشروع مكشوف سياسيًا وهش استراتيجيًا.
ثالثا: حرب اختيار – غموض الأهداف وانفصال الوسائل عن الغايات
يُظهر هذا النزاع بوضوح سمات “حرب الاختيار”، لا “حرب الضرورة”. فادعاءات وجود تهديد إيراني وشيك تفتقر إلى إجماع استخباراتي حاسم، بينما تغيب في المقابل أهداف استراتيجية واضحة أو تصور واقعي لمسار النصر.
بدلًا من ذلك، يتجه المنطق العملياتي نحو استراتيجية “قطع الرأس” عبر استهداف القيادات العليا، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، في محاولة لزعزعة النظام. غير أن هذا النهج، تاريخيًا، كثيرًا ما يؤدي إلى نتيجة عكسية: تعزيز تماسك النظام بدل تفكيكه.
وقد حذر ماو تسي تونغ من هذا الخلل بقوله: “التكتيكات بلا استراتيجية هي ضجيج يسبق الهزيمة”. فتكثيف الضربات، في غياب تصور سياسي متكامل لمرحلة ما بعد الصراع، لا يُنتج نصرًا بقدر ما يفتح الباب أمام فوضى استراتيجية طويلة الأمد.
رابعا: الخداع الاستراتيجي والتوقف العملياتي – وهم الدبلوماسية
يمثل الخداع الاستراتيجي أحد أكثر أبعاد هذا النزاع حساسية وأقلها تناولًا. فقد جرى تقديم إعلان دونالد ترامب تأجيل الضربات على قطاع الطاقة الإيراني لمدة خمسة أيام باعتباره نافذة دبلوماسية، غير أن القراءة الدقيقة تشير إلى أنه لم يكن سوى مناورة عملياتية محسوبة.
الإعلان المتزامن عن محادثات أمريكية–إيرانية محتملة في دولة ثالثة لم يكن، في جوهره، مسارًا تفاوضيًا حقيقيًا، بل أداة لإعادة توجيه الانتباه الاستراتيجي الإيراني نحو احتمالات سياسية، بما يُضعف الجاهزية الدفاعية الفورية. وفي الوقت ذاته، أتاح هذا التوقف مساحة زمنية حاسمة لإعادة تموضع القوات وتعزيز البنية الدفاعية.
وخلال هذه الفترة، تركزت الجهود على:
- تسريع نشر أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة في إسرائيل ودول الخليج
- تعزيز قدرات الانتشار السريع، بما في ذلك وحدات الإنزال الجوي
- دفع الأصول البحرية الهجومية، وعلى رأسها حاملتا الإنزال البرمائي “بوكسر” و”طرابلس”
تشير هذه التحركات إلى تحضير واضح لمرحلة هجومية لاحقة تستهدف عقدًا حيوية في البنية الاقتصادية الإيرانية، وعلى رأسها جزيرة خارك، الشريان الرئيسي لصادرات النفط. إن ضرب هذا الهدف لا يحمل بعدًا عسكريًا فحسب، بل يمثل محاولة لإحداث صدمة اقتصادية استراتيجية.
وعليه، تبدو الإشارات الدبلوماسية أقرب إلى أداة تمويه مركّبة، تهدف إلى إدارة إدراك الخصم وكسب الوقت، لا إلى خفض التصعيد.
خامسا: فخ التصعيد – ديناميات صراع ذاتي التغذية
يدخل النزاع تدريجيًا في ما يُعرف بـ”فخ التصعيد”، حيث يصبح رفع الكلفة على الخصم هدفًا بحد ذاته. كل طرف يتحرك ضمن منطق صفري، يرى في تصعيده ضرورة لتفادي الهزيمة، لا فقط لتحقيق النصر.
بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، يُنظر إلى اللحظة كفرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام الإيراني. أما إيران، فتُعيد تعريف النصر باعتباره القدرة على البقاء ورفع الكلفة. وهنا تكمن المفارقة: اختلاف تعريف النصر يجعل الصراع مفتوحًا بطبيعته.
وكما قال ثوسيديدس: “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله”—غير أن الواقع المعاصر يُظهر أن الطرف الأضعف قادر على إعادة تشكيل معادلة القوة عبر توسيع كلفة الصراع اقتصاديًا وسياسيًا.
سادسا: سوء التقدير الاستراتيجي وتوسّع المخاطر النظامية
حتى في ظل سلوك عقلاني من الأطراف، قد يؤدي تفاعل استراتيجيات متنافسة إلى نتائج غير عقلانية جماعيًا. وهذا هو جوهر سوء التقدير الاستراتيجي.
يُعدّ مضيق هرمز نقطة التحول الأخطر في هذا السياق. فتعطيله لا يعني مجرد تصعيد عسكري، بل انتقال الصراع إلى مستوى الأزمة الاقتصادية العالمية. كونه شريانًا رئيسيًا للطاقة، فإن أي اضطراب فيه سيُطلق سلسلة من التداعيات: ارتفاع أسعار النفط والغاز، زيادة تكاليف النقل والطاقة، وضغوط تضخمية تمتد إلى قطاعات الزراعة والصناعة.
سابعا: التداعيات الجيو-اقتصادية ومفارقات القوة
من أبرز مفارقات هذا النزاع أنه يخلق مستفيدين غير مقصودين، وفي مقدمتهم روسيا، التي تحقق مكاسب مباشرة من ارتفاع أسعار الطاقة. كما أن اضطرار الولايات المتحدة إلى تخفيف القيود على صادرات النفط الإيرانية يكشف تناقضًا داخليًا عميقًا في الاستراتيجية.
فالحرب التي تهدف إلى إضعاف القدرات الاقتصادية لإيران قد تُفضي، تحت ضغط الواقع، إلى إعادة دمجها جزئيًا في الأسواق العالمية.
ثامنا: القيود الداخلية والهشاشة السياسية
لا يمكن لأي حرب أن تستمر دون غطاء داخلي. في الولايات المتحدة، يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود وتزايد الضغوط المعيشية إلى تآكل الدعم الشعبي، ما يفرض قيودًا حادة على صانع القرار.
وبالنسبة لدونالد ترامب، فإن هذه المعطيات تحمل أبعادًا انتخابية مباشرة. فالتجارب السابقة تؤكد أن الحروب المكلفة اقتصاديًا تُترجم سريعًا إلى خسائر سياسية، وتفتح الباب أمام ضغوط ومساءلات داخلية.
تاسعا: تصدّع التحالفات وحدود الأمن الجماعي
يكشف تردد حلفاء الناتو في الانخراط في تأمين الممرات البحرية عن تصدّع متزايد داخل منظومة التحالف. فحين تغيب الشرعية المشتركة، يتآكل التماسك، وتضعف القدرة على بناء استجابة جماعية فعالة.
التحالفات لا تقوم فقط على المصالح، بل على التوافق حول مشروعية الفعل. وعندما يتلاشى هذا التوافق، تتحول إلى هياكل شكلية تفتقر إلى الفاعلية الاستراتيجية.
عاشرا: دول الخليج وضرورة كبح التصعيد
تمثل دول الخليج خط المواجهة الأول مع تداعيات هذا النزاع. فاقتصاداتها، وبناها التحتية، وأمنها القومي، كلها معرضة مباشرة لخطر التصعيد.
وفي هذا السياق، تبرز دعوات التهدئة كضرورة استراتيجية، لا خيار سياسي. وقف استهداف البنية الحيوية، وضمان حرية الملاحة، واستقرار تدفقات الطاقة، تمثل شروطًا أساسية لمنع انزلاق النظام الدولي نحو اضطراب أوسع.
القوة بلا بوصلة استراتيجية
يكشف هذا النزاع عن خلل عميق حين تنفصل القوة عن الرؤية. فالحروب التي تُشن دون ضرورة واضحة، وتُدار دون أهداف محددة، تتحول إلى أنظمة تصعيد ذاتي يصعب احتواؤها.
كما حذّر مكيافيلي: “ليس هناك ما هو أصعب… من الشروع في إقامة نظام جديد”. إن محاولة إعادة تشكيل دولة بحجم إيران عبر القوة العسكرية قد تمثل تجسيدًا لهذا التحذير.
الخلاصة الحاسمة: القوة وحدها لا تكفي. فحين تُستبدل الاستراتيجية بإدارة الانطباعات، تجد حتى أعظم الدول نفسها عالقة في صراعات لا تستطيع حسمها… ولا الانسحاب منها.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
