الرئيسية / أخبار / فوضى الشرق الأوسط.. طوق نجاة لنتنياهو

فوضى الشرق الأوسط.. طوق نجاة لنتنياهو

يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النجاة بنفسه، سواء عبر إنقاذ رهينة واحدة أو باحتلال قطاع غزة بالكامل كما يُروّج له، مدّعيًا أنه يريد زيادة الضغط العسكري لأجل الإسرائيليين، لكن من يصدّق من ترك رهائنه لعامين ليكسب الوقت لتغيير وجه المنطقة وموازين القوى ومسار التاريخ؟ كل ما يفعله لأجل نفسه، فهو “الملك يا هند”، كما قال أبوسفيان يوم رأى نفسه منتصرًا بعد الفتح.

حكومته اليمينية المتطرفة، التي رأت فيه “جنيّ مصباح علاء الدين”، تؤمن أن التحالف معه يحقق أمجادًا وأساطير ترسّخت في عقولهم منذ ألف زمان، ليحتلّوا المنطقة من النهر إلى النهر، وربما أبعد، عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ويصبحوا ملوك زمانهم، بينما تبقى المنطقة رهن إشارتهم، مكشوفة الحدود والأمن، تتشكل من كيانات مجاورة منزوعة القوة والكلمة وحق تقرير المصير. ونتنياهو، حتى الآن، يبدو الوحيد القادر على تكوين تحالفات متماسكة وأغلبية موحدة تحافظ على حكومة طوارئ تمسك بدفّة السفينة في أحلك الأوقات.

لكن مع تصاعد الدعاية الفلسطينية والعربية والدولية حول فظائع غزة، اهتز عرش نتنياهو للمرة الأولى، فصور الأشلاء والأطفال المشردين والبيوت المدمرة التي لم تُزعجهم سابقًا باتت الآن تزعجهم، لأن القصة أفلتت من أيديهم، والسردية المنتشرة لم تعد تدعمه، بل انتشرت كطير حرّ في أرجاء العالم، تقول إن نتائج السياسات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين كانت مجاعة وخيامًا وأمراضًا وتشريدًا وقتلًا وتنكيلًا، وأطفالًا منكوبين، وغذاءً متعفنًا ينتظر على بوابات الحدود.. دخول مؤجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ما أزعج إسرائيل أن هذه الدعاية وصلت إلى واشنطن، ووجدت بين الديمقراطيين أصواتًا تطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنهاء الحرب المستنزفة، كما ظهرت داخليًا أصوات معارضة لنتنياهو، أبرزها نفتالي بينيت الذي غرّد غاضبًا مهاجمًا الحكومة، منتقدًا سياساتها المتطرفة، وقال إن إسرائيل فقدت دعم الديمقراطيين، وربما أن الجمهوريين أيضًا بدأوا في تجنّبها، وتوترت العلاقات مع أعظم حليف لها بسبب قرارات غير عقلانية. ويبدو أن التوتر يتسلل إلى الغرف المغلقة، وواشنطن بدأت بالامتعاض من طفلها المدلل.

في الداخل، تتصاعد الخلافات بين المؤسسة العسكرية ونتنياهو، فالجيش الإسرائيلي مرهق بحسب التقارير، واستُنزف خلال عامين في حرب بلا نهاية واضحة، وغزة الصغيرة لا تزال عصيّة على السيطرة الكاملة، فكيف يمكن احتلال “المنطقة” من النهر إلى النهر؟ رئيس الأركان الحالي، كغيره من رؤساء الأركان السابقين، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، ورئيس الموساد السابق، وغيرهم، عبّروا عن خلافات جوهرية في الرؤية والإستراتيجية، وهناك فجوات عميقة بين السياسي والعسكري، وبين الحكومة والمؤسسات، حول إدارة الحرب والخروج منها، وربما حول تعريف النصر أصلًا.

الورطة الأخطر بانتظار نتنياهو إذا قرر وقف الحرب دون تحقيق أهدافها، فحماس لم تُهزم، والرهائن لم يُستردّوا بالكامل، وعدد الأحياء منهم قليل، وحياتهم في خطر، والتهديدات قائمة. كل ما فعله نتنياهو هو فتح جبهات لا تُحصى وترك الفوضى تدير المرحلة، لذا سيسأله الشارع الإسرائيلي: لماذا رفض كل مقترحات التبادل مع حماس؟ لماذا تأجلت مفاوضات استعادة الرهائن؟ هل كان الرهائن ورقة سياسية للتأجيل فقط؟ وهل استُخدموا غطاء لحرب لا هدف لها إلا إنقاذ بيبي نفسه؟ فبمجرد انتهاء الحرب تبدأ المحاسبة، وربما هذا أكثر ما يخشاه نتنياهو: تلك اللحظة التي لا يُمكن فيها الهروب من الأسئلة.

لذلك بدأ في صياغة رواية مضادة، مروّجًا إعلاميًا لـ”احتلال غزة”، لكن أي احتلال إضافي بعد كل ما حدث؟ يريد إعادة رهينة أو اثنتين أو عشرة فقط ليُسكت ضجيج الفيديو الأخير لأسير جائع في أنفاق حماس، ويهدّئ الشارع الإسرائيلي الثائر المطالب بإنهاء الحرب وإعادة الرهائن، وإن لم يستطع، فالبديل هو إعلان توسيع العملية العسكرية بذريعة استعادة الرهائن. بيبي يقول إنه يعمل لأجلهم، لكن من يصدّقه؟ بيبي يعمل لأجل بيبي فقط.

ثم أفكر: هل يكترث الشارع الإسرائيلي اليوم فعلًا لأهداف حكومة نتنياهو؟ أم أن وزراء اليمين المتطرف وحدهم من يتبنّون هذه الأوهام؟ هل تتقاطع أحلام الشارع مع أحلام بن غفير وسموتريتش؟ أم أن هذين يعتقدان نفسيهما أنبياء العصر الحديث، وأفرادًا من نخبة نرجسية لا تكترث إلا لنفسها وتحمل أيديولوجيا متطرفة هدفها السيطرة والبطش؟ ثم ماذا؟ لا يهم نتنياهو وحكومته إن كان الثمن كل الرهائن، أو رمي مليونَي فلسطيني في البحر أو على حدود مصر، ولا يهم إن أُسر أربعة ملايين في الضفة في “كنتونات” صغيرة، مسيّجة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا.

ثم ماذا؟ بعد كل هذا الدمار المستمر خلال عامين، كيف تستمر الحياة؟ وأيّ استقرار يُمكن إنشاؤه؟ لبنان بلا سلاح، سوريا مشرذمة، مقسمة، على صفيح ساخن، وحكومة نتنياهو مستمرة في خلق الفوضى، مستثمرة في الانقسام والعداء بين مكونات المنطقة. ثم ماذا؟ يخرج نتنياهو صارخًا: إيران على حدودنا! ثم كاتس يصيح: تركيا تقترب! ثم يظهر شبح “الإسلام المتطرف”.. لكن بين طهران وأنقرة والإسلام المتطرف، يختبئ جوهر المسألة: لا أحد على حدودهم سوى عقلهم الرافض لكل “آخر”، ولا عقيدة تحكم أمنهم سوى عبادة الذات والمصالح.

من يلتهمهم حقًا هم الرافضون لأيّ بداية حل، لأيّ تهدئة، لأيّ عدالة إنسانية. نتنياهو ربما يحاول إبقاء الفوضى لأجله وحده، تفاديًا للمحاكمات، سعيًا لإطالة عمر بقائه، ومحاولة لتصفير مشاكله التي سبقته قبل السابع من أكتوبر. يرى في عدوه طوق نجاته، وينكّل هو وحاشيته بالمنطقة والعالم.. فقط من أجل مصالحهم وحدهم.