حين صمتت مدافع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1988، لم يكن العراق بحاجة إلى سنوات لالتقاط الأنفاس فحسب، بل كان بحاجة إلى رؤية جديدة للنجاة. ثماني سنوات من الاستنزاف دمرت البشر والمال، وأغرقت البلاد في الديون، وأرجأت أحلام العراقيين في السكن والعمل والخدمات إلى أجل غير مسمى. كان الجيش الضخم يلتهم الميزانية، بينما كانت العائلات تنتظر عودة أبنائها، والدولة تنتظر فرصة لالتقاط ما تبقى من قوتها.
في تلك اللحظة المفصلية، كان السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كان في إمكان صدام حسين أن يبدأ مرحلة جديدة؟ مرحلة يطمئن فيها جيرانه، ويطوّر علاقاته بواشنطن، ويجعل إعادة بناء العراق مشروعه الأول والوحيد؟
الشواهد التاريخية تقول إن الفرصة كانت متاحة بالفعل، لكنها لم تكن شيكاً على بياض. كانت تتطلب سياسة مختلفة، تقبل التفاوض والتنازلات، وتدرك أن قوة العراق يمكن أن تكون مصدر اطمئنان لجيرانه، لا سبباً لتوحّدهم ضده. فالباب الأمريكي لم يكن موصداً؛ فقد استؤنفت العلاقات الدبلوماسية بين بغداد وواشنطن في نوفمبر 1984، وبعد انتهاء الحرب سعت إدارة بوش الأب إلى تطوير العلاقة. بل إن صدام التقى في أبريل 1990، أي قبل غزو الكويت بأشهر، وفداً من مجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة روبرت دول، حمل رسالة تؤكد رغبة البيت الأبيض في تحسين العلاقات.
هذه الوقائع لا تعني أن واشنطن كانت مستعدة لمنحه ضماناً أبدياً بالبقاء، لكنها تدحض المقولة التي رُوّجت لاحقاً بأن العداء بين الطرفين كان قدراً محتوماً، وأن طريق التفاهم كان مسدوداً.
أما الخليج، فلم يكن صدام بحاجة إلى اكتشاف طريق إليه؛ فقد دعمت السعودية والكويت العراق خلال حربه مع إيران، ومولت دول خليجية جانباً مهماً من مجهوده الحربي. كانت هناك مصالح مشتركة قابلة للبناء عليها. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في غياب المصالح، بل في فهم طبيعة العلاقة التي يجب أن تنشأ بعد الحرب. فقد اعتبر صدام أن العراق دافع عن الخليج، وأن على دوله إسقاط ديونه. وحين لم تستجب تلك الدول لمطالبه، وجد نفسه أمام خلاف مالي وسياسي كان يحتاج إلى طاولة مفاوضات، لا إلى قرار انفعالي بغلق جميع الأبواب.
كان بوسعه أن يفاوض على جدولة الديون وتخفيفها، وأن يسعى إلى تفاهمات نفطية تحسّن موارده، وأن يقدم لجيرانه ضمانات عملية باحترام سيادتهم. وكان بوسعه أن يشرع في تخفيض العبء العسكري تدريجياً، ضمن برنامج يعيد الجنود إلى أعمال توفر لهم العيش الكريم، ويوجه جانباً من موارد البلاد إلى الإعمار. لم يكن ذلك طريقاً سهلاً، ولا كانت نتائجه مضمونة، لكن صعوبة السلام لا تجعل الحرب هي الحل الوحيد.
كان في مقدور صدام أن يعزز مكانة العراق بما يقدمه من استقرار وتعاون، لكنه اختار أن يقترن مطالبه بالخوف من سلاحه. والدول التي تستطيع التفاوض مع جار قوي قد تبحث عن الحماية الخارجية حين تشعر بأن وجودها نفسه أصبح مهدداً بقواته وقدراته المتفوقة.
هذا لا يعني تبرئة السياسات الأمريكية أو الخليجية من أخطائها، ولا افتراض أن جميع مطالب العراق كانت باطلة. فعدالة بعض المطالب، إن ثبتت، لا تمنح صاحبها حق احتلال بلد آخر، ولا تعفيه من حساب النتائج التي سيدفع شعبه ثمنها.
ثم جاء غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990، فبدّل موقع العراق، وفتح عليه أبواب العقوبات والحرب والعزلة. وتحولت الخلافات التي كان يمكن مواصلة التفاوض حولها إلى مواجهة دولية مدمرة.
لا نستطيع الجزم بأن العراق كان سيصبح مزدهراً، أو أن صدام كان سيبقى في الحكم لو اختار التهدئة. لكننا نستطيع القول بثقة إن غزو الكويت لم يكن ضرورة فرضتها أزمة الاقتصاد، وإن فرصة التفاهم كانت قائمة قبل أن يبددها ذلك القرار.
كانت أمامه فرصة ليجعل عودة العراقيين إلى الحياة إنجازه التالي بعد توقف الحرب، لكنه أدخلهم في كارثة أخرى. كان يستطيع أن يسعى إلى مكانة يحترمها الجيران، فاختار أن يكون قوة يخافون منها. وحين اجتمع الخائفون منه، كان العراقيون أول من دفع الثمن.
Geostrategic Media Political Commentary, Analysis, Security, Defense
