د. شهاب المكاحله
في لقاءات سابقة جمعتني مع الاستراتيجي العالمي جورج فريدمان في عام 2022، ومع وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في عام 2021، ناقشنا عمق التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، والتي باتت اليوم على أعتاب نقطة تحوّل جديدة قد تعيد رسم خارطتها السياسية والجغرافية بشكل جذري. تشير المعطيات إلى أن الربع الأخير من عام 2025 سيشهد تصعيداً في المواجهة بين إيران وإسرائيل، لكن هذه المرة ستكون المواجهة أحادية الجانب، تنطلق من إيران نحو إسرائيل وحلفائها في المنطقة.
لطالما شكّل الصراع الإيراني-الإسرائيلي محوراً أساسياً في السياسة الإقليمية، ولكن ما يختلف اليوم هو قدرة إيران على اتخاذ موقف هجومي حاسم يعكس استراتيجية جديدة تهدف إلى فرض واقع إقليمي جديد عبر أدوات القوة والردع، متجاهلة التكاليف التقليدية للصراعات الماضية.
في حديثي مع كيسنجر في 2021، أكد لي أن:
“السياسة هي فن الممكن، وليست لعبة الأحلام. لا يمكن للشرق الأوسط أن يبنى على أوهام السلام، بل على موازين القوى والمصالح الحقيقية.”
هذه النظرة تعكس قناعة إيران التي ترى أن الظروف الدولية والإقليمية الحالية تتيح لها فرصة غير مسبوقة لفرض نفوذها وإعادة تعريف التوازنات.
قراءة جغرافية عميقة مع جورج فريدمان
في لقاء سابق آخر مع جورج فريدمان عام 2022، أشار إلى أن:
“الشرق الأوسط هو مسرح صراع جيوسياسي على الأرض، حيث كل شبر يحمل قيمة استراتيجية. وهذا الصراع ليس فقط حول الموارد أو الدين، بل هو حول التحكم بالجغرافيا.”
وتنعكس هذه الرؤية في تحركات إيران التي تستثمر امتدادات نفوذها من الخليج إلى المتوسط عبر شبكاتها الإقليمية في العراق، سوريا، لبنان واليمن، في مواجهة محاولات إسرائيل وحلفائها لتقويض هذا النفوذ والحفاظ على خطوطهم الحيوية.
طبيعة المواجهة وأبعادها
المواجهة الأحادية لا تقتصر على الاشتباكات العسكرية التقليدية، بل تشمل حرباً استخباراتية، هجمات إلكترونية، ضغوطاً سياسية واقتصادية، وحملات دعائية مكثفة. إيران تعتمد هذه الأدوات لمحاولة تفكيك التحالفات المناهضة لها وإضعافهم تدريجياً قبل أي تصعيد ميداني.
وكما أشار كيسنجر في حديثه معي:
“لا يمكن تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط دون وجود قوة مركزية قادرة على فرض النظام. وإلا، فستبقى المنطقة في دوامة من النزاعات المتجددة.”
تداعيات المواجهة على خريطة المنطقة
إيران تسعى عبر هذه المواجهة إلى: ترسيخ محور المقاومة، وتعزيز نفوذها عبر وكلائها في لبنان وسوريا، مما يزيد من تكاليف أي تحرك إسرائيلي. التأثير في الدول العربية ودفع بعضها لإعادة تقييم تحالفاتها في ظل استياء متزايد من الدور الإسرائيلي في المنطقة.
هذه التطورات قد تؤدي إلى تحولات جذرية تشمل: تمدد نفوذ إيران في العراق وسوريا وربما مناطق أخرى عبر وكلاء محليين. استنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية وحلفائها، مما يفتح المجال لتسويات جديدة وإعادة تشكيل موازين القوى لمصلحة محاور جديدة تسيطر على اللعبة السياسية.
وفي الختام، المواجهة الأحادية بين إيران وإسرائيل في الربع الأخير من 2025 ليست مجرد تصعيد عابر، بل هي مرحلة حاسمة في صراع طويل الأمد يهدف إلى إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط. كما أكد لي كيسنجر سابقا:
“الفراغ السياسي في المنطقة لن يبقى فارغا، بل ستمتلئ به قوى جديدة تفرض واقعها بالقوة.”
وقال فريدمان:
“في جغرافيا الشرق الأوسط، النتائج تُكتب بالحديد والدم.”
مع هذه المعادلة، يصبح من الضروري مراقبة تطورات المنطقة بدقة، فكل خطوة قد تغير مسار التاريخ السياسي للشرق الأوسط لعقود قادمة.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
