د. شهاب المكاحله
ما زالت تهديدات الحوثيين في إطار التصريحات ولم تتحول بعد إلى إغلاق فعلي لمضيق باب المندب، لكن الأسواق تراقب التطورات بحذر شديد، لأن مجرد احتمال تعطيل هذا الممر الاستراتيجي يكفي لإثارة المخاوف بشأن أسعار الطاقة العالمية. فالمضيقان — هرمز وباب المندب — ليسا مجرد ممرات مائية، بل هما شريانان حيويان للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيهما يهدد بإشعال موجة تضخم جديدة قد تعيد العالم إلى أزمة ١٩٧٣.
منذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في ٢٨ فبراير الماضي، تحول مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة مفتوحة. إيران، التي أغلقت المضيق فعلياً أمام الملاحة الدولية، استخدمت كل أسلحتها البحرية — من الألغام والصواريخ المضادة للسفن إلى الزوارق السريعة والغواصات — لفرض سيطرتها على هذا الممر الذي تمر عبره خُمس شحنات النفط العالمية. والنتيجة: ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتهديد حقيقي بركود عالمي، وتحذيرات من وكالة الطاقة الدولية بأن تأثيرات هذه الأزمة ستستغرق سنوات لعكسها.
أما مضيق باب المندب، فالقصة مختلفة بعض الشيء. فالحوثيون في اليمن، ورغم امتلاكهم القدرة على إغلاق المضيق — كما أظهروا في عام ٢٠٢٤ عندما هددوا الملاحة ورفعوا تكاليف الشحن بنسبة ٤٠٪ وأطالوا أوقات الرحلات بعشرة أيام — لم يتخذوا بعد خطوة الإغلاق الكامل. لكن التهديد قائم، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ينتظر الحوثيون اللحظة المناسبة، أم أن هناك عوامل تمنعهم من تنفيذ تهديداتهم؟
الواقع أن الحوثيين يدركون أن إغلاق باب المندب سيكون له تداعيات اقتصادية هائلة، ليس فقط على إسرائيل والغرب، بل أيضاً على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر — السعودية، الإمارات، مصر، والسودان — التي تعتمد على هذا الممر لتجارتها وإمداداتها. كما أن الحوثيين أنفسهم يتحملون جزءاً من تكلفة أي إغلاق، لأن موانئ الحديدة والصليف تعتمد على حركة الملاحة في البحر الأحمر لاستيراد الغذاء والوقود. ومع ذلك، في حال نشوب حرب واسعة تشمل ضربات أمريكية على الأراضي اليمنية، فإن الحوثيين قد يقررون أن الثمن يستحق المخاطرة.
وفي حال اضطرت الناقلات إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، فإن ذلك سيضيف ما بين أسبوعين وثلاثة أسابيع إلى زمن الرحلات، مع ارتفاع هائل في تكاليف النقل والتأمين. بعض التقديرات تشير إلى أن تكلفة شحن الحاويات بين شرق آسيا وأوروبا قد تتضاعف عدة مرات، مما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية ويغذي موجات تضخم جديدة في أوروبا وأمريكا.
لكن الأمور ليست مجرد حسابات اقتصادية بحتة. فالولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون، من خلال بعثةEUNAVFOR ASPIDES ، عززوا وجودهم العسكري في البحر الأحمر. البعثة الأوروبية، التي تتخذ من لاريسا في اليونان مقراً لها، نجحت في حماية أكثر من ٦٧٠ سفينة تجارية منذ انطلاقها في فبراير ٢٠٢٤. ووقعت مؤخراً اتفاقية وضع القوات مع جيبوتي لتأمين الدعم اللوجستي، كما رفعت مستوى التهديد في المنطقة إلى “متوسط”. وفي حال حاول الحوثيون إغلاق باب المندب، فإن القوات الأوروبية والأمريكية في المنطقة مستعدة للرد.
السؤال الأهم الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن نشهد إغلاقاً متزامناً لمضيق هرمز وباب المندب؟ الإيرانيون، من خلال استراتيجيتهم القائمة على محور المقاومة، لديهم القدرة على تنسيق العمليات بين قواتهم البحرية في الخليج والحوثيين في اليمن. إغلاق المضيقين معاً قد يكون بمثابة قنبلة نووية اقتصادية للعالم، لكنه أيضاً قد يعني حرباً إقليمية شاملة لا يمكن السيطرة عليها.
في النهاية، ما يحدث في مضيق هرمز وباب المندب ليس مجرد أزمة ملاحة، بل هو انعكاس لتحولات استراتيجية كبرى في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة، التي كانت الحامي الأوحد للملاحة في المنطقة، تجد نفسها اليوم منهكة ومستنزفة، وقدرتها على حماية ممراتها البحرية موضع تساؤل. من ناحية أخرى، إيران وحلفاؤها يختبرون حدود القوة الأمريكية، ويكتشفون أن التهديد بغلق المضائق هو سلاح فعال في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.
ربما تكون الرسالة الأهم في كل هذا: أن النظام العالمي الذي هيمنت عليه أمريكا لعقود آخذ في التغير. ومضيقا هرمز وباب المندب ليسا سوى مسرحين صغيرين في دراما أكبر، عنوانها الانتقال من أحادية القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، حيث لم يعد أحد يملك السيطرة الكاملة على طرق التجارة العالمية. والأسواق، التي تراقب التطورات بحذر، تدرك أن الاستقرار الذي كان يعتبر أمراً مفروغاً منه، أصبح اليوم سلعة نادرة مثل النفط نفسه.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
