أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران… هل تمهّد لمسار عسكري مختلف؟

الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران… هل تمهّد لمسار عسكري مختلف؟

يحيى الطقش

تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مزيد من التصعيد مع اتساع نطاق الضربات المتبادلة، وسط مساعٍ أميركية لـ”تقويض القدرات العسكرية الإيرانية”، مقابل توسيع طهران دائرة الرد نحو القواعد الأميركية في المنطقة.

تشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع تبادل الضربات واتساع نطاق العمليات، في وقت تتداخل فيه الأهداف الميدانية مع الرسائل السياسية والاستراتيجية.

وبينما تؤكد واشنطن أن عملياتها تستهدف “تقويض القدرات العسكرية الإيرانية”، ترى طهران أن ردودها تأتي في إطار تثبيت معادلات الردع ومنع تغيير موازين القوى. وفي ظل هذا المشهد، تبرز تساؤلات بشأن الرسائل العسكرية لطبيعة الأهداف، وحدود فعالية الضربات الجوية، وما إذا كانت المواجهة تمهد لمرحلة أكثر اتساعاً أم ستبقى ضمن سقف محسوب، يمهد للعودة إلى طاولة التفاوض.

الجنوب الإيراني.. هدف الضربات الأميركية

في حديث إلى الميادين نت، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد علي أبي رعد أن الضربات الأميركية لم تحقق النتائج التي كانت واشنطن تطمح إليها، بل أدت إلى تعقيد المشهد الميداني، ووسّعت تداعياته على أمن الملاحة البحرية وخطوط الطاقة.

ويعتبر أبي رعد أن الردود الإيرانية اتسمت باتساع أكبر، وانعكس ذلك مباشرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما وضع الإدارة الأميركية أمام خيارين: إما البحث عن مخرج سياسي، أو الانتقال إلى مرحلة أكثر تصعيداً عبر توسيع العمليات العسكرية لفرض معادلات جديدة.

ويلفت إلى أن المؤشرات الميدانية تميل إلى الخيار الثاني، مستدلاً بتعزيز الانتشار العسكري الأميركي، وحركة طائرات الشحن والتزود بالوقود، إضافة إلى التصريحات الإسرائيلية التي أكدت جاهزية “تل أبيب” للتدخل العسكري المباشر إذا طلبت واشنطن ذلك.

ويضيف أن واشنطن ركزت ضرباتها على السواحل الجنوبية لإيران، الممتدة من ميناء تشابهار وصولاً إلى مضيق هرمز، نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية، في محاولة لانتزاع السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

وبحسب أبي رعد، فإن القصف الأميركي المتواصل خلال فترة المواجهة، والذي استخدمت فيه قنابل شديدة التدمير، استهدف مراكز القيادة والسيطرة، ومنظومات الرادار والدفاع الجوي، إضافة إلى البنى اللوجستية في بندر عباس، حيث تتمركز قيادة القوات البحرية التابعة لحرس الثورة والجيش الإيراني. إلا أنه يؤكد أن هذه الضربات لم تحقق النتائج التي كانت واشنطن تتوقعها.

القواعد الأميركية في مرمى الرد الإيراني

في المقابل، يرى أبي رعد أن إيران نجحت في توسيع نطاق عملياتها ضد البنية العسكرية الأميركية في الخليج، بعدما ركزت بداية على استهداف الرادارات ومنظومات الإنذار المبكر، قبل الانتقال إلى استهداف مراكز القيادة والسيطرة ومنصات إطلاق الصواريخ الاعتراضية ومستودعات الذخيرة.

ويشير إلى أن الضربات الإيرانية شملت المنظومات الدفاعية التي تؤمن الحماية لقاعدة “العديد” في قطر، وقاعدة “الظفرة” في الإمارات، ومقر “الأسطول الخامس” في البحرين، إضافة إلى منظومات “هيمارس” في الكويت.

ويؤكد أن المعطيات الميدانية وصور الأقمار الصناعية تشير إلى إخلاء أجزاء واسعة من قاعدة “العديد” وقاعدة “عريفجان”، وتقليص الوجود العسكري الأميركي في الكويت والبحرين، مشيراً إلى أن استهداف القواعد الأميركية في الخليج رفع من أهمية قاعدة “الأزرق” في الأردن، التي تضم طائرات “إف-35” و”إف-16″، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إعادة انتشار عدد من طائراتها.

الضربات الجوية.. أداة ضغط أم وسيلة لحسم الحرب؟

يشدد أبي رعد على أن الضربات الجوية وحدها لم تحسم أي حرب في التاريخ، معتبراً أن الحسم العسكري يبقى مرتبطاً بالعمليات البرية، وهو ما يجعل الضربات الحالية، رغم شدتها، غير كافية لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية التي تسعى إليها واشنطن.

ويرى أن استمرار الاعتماد على القصف الجوي يعكس محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة، لكنه لا يكفي لتحقيق حسم استراتيجي، في ظل قدرة إيران على امتصاص الضربات ومواصلة الرد.

ماذا عن السيناريوهات المقبلة؟

وحول السيناريوهات المقبلة، يرجح أبي رعد استمرار الضربات الأميركية واتساعها لتشمل بنى تحتية أعمق داخل إيران، ويحذر من أن أي تصعيد يستهدف منشآت الطاقة سيقابله رد إيراني يصعب التنبؤ بسقفه، في ظل امتلاك طهران قدرات عسكرية لم تستخدمها بالكامل حتى الآن.

ويستبعد أبي رعد إلى حد كبير سيناريو التدخل البري الأميركي، مشيراً إلى أن القوات المجوقلة والمظليين الذين حشدتهم واشنطن في بداية الأزمة عادوا إلى قواعدهم في الولايات المتحدة.

ويرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في عمليات إنزال جوي محدودة عبر مسارين؛ الأول باتجاه الجزر الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، والثاني عبر جزيرة بوبيان وصولاً إلى الحدود العراقية وإقليم كردستان، معتبراً أن هذا السيناريو يفسر، في جانب منه، الضربات الإيرانية التي استهدفت السليمانية.

بين استمرار الضربات الجوية واتساع الرسائل العسكرية المتبادلة، تبدو المواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد، من دون مؤشرات حاسمة على انتقالها إلى حرب برية شاملة. ومع تشابك ساحات الاشتباك وتعدد أدوات الضغط، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم قواعد الردع، فيما يبقى مسار المواجهة مفتوحاً على احتمالات متعددة، تحكمها حسابات الميدان أكثر من رهانات السياسة.