رأت دراسة صادرة عن مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيليّ أن الاستراتيجيّة الأمريكيّة في مواجهة إيران تواجه مأزقًا متصاعدًا، إذ إنّ التفوق العسكريّ لواشنطن لا يضمن تحقيق أهدافها السياسية، في ظل تمسك طهران بمضيق هرمز باعتباره أحد أهم أوراق قوتها الاستراتيجية..
وأعدّ الدراسة الجنرال المتقاعد والباحث في المركز، الدكتور إلداد شافيط، الذي رأى أنّ جوهر الأزمة لا يكمن في موازين القوى العسكرية، بل في الاختلاف العميق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن القيمة الاستراتيجيّة لمضيق هرمز، وبحسب الدراسة، تنظر واشنطن إلى المضيق باعتباره شريانًا حيويًا لحرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة والحفاظ على مصداقيتها الأمنية في الشرق الأوسط. أمّا إيران، فتعتبره آخر أوراق الردع الفاعلة التي تمتلكها بعد تراجع قدراتها العسكرية التقليدية، والضربات التي تعرضت لها شبكة حلفائها في المنطقة. لذلك، فإنّ أيّ تراجعٍ إيرانيٍّ عن نفوذها في المضيق سيُفسَّر داخليًا على أنّه هزيمةً استراتيجيّةً لا تستطيع القيادة الإيرانية تحمل تبعاتها.
كما أشارت الدراسة إلى أنّ تصعيد الضغوط الأمريكية لا يعني بالضرورة دفع إيران إلى تقديم تنازلاتٍ، بل قد يدفعها إلى مزيدٍ من التشدد لإثبات أنّ الولايات المتحدة عاجزة عن ضمان أمن الملاحة أو فرض الاستقرار الإقليمي، وترى أنّ طهران لن تكتفي بالرد في محيط مضيق هرمز، بل ستسعى إلى توسيع ساحة المواجهة عبر استهداف القواعد الأمريكيّة ومنشآت الطاقة وطرق الملاحة الأخرى، بهدف تشتيت الجهد العسكريّ الأمريكيّ، وزيادة الضغوط على واشنطن من خلال حلفائها وشركائها الإقليميين.
وفي هذا السياق، تؤكّد الدراسة أنّ دول الخليج تجد نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي تحتاج إلى الحماية الأمريكيّة وإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، لكنّها تخشى في الوقت نفسه أنْ تتحول قواعدها العسكريّة وموانئها ومنشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه إلى أهداف مباشرة للهجمات الإيرانية أو هجمات حلفائها.
وتتوقع الدراسة أنْ تدفع هذه المخاوف دول الخليج إلى تكثيف جهود الوساطة والضغط على الإدارة الأمريكية للقبول بتسوية تحد من اتساع الصراع، كما تحذر الدراسة من أنّ تنفيذ الحوثيين تهديداتهم ضدّ الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، أوْ توسيع هجماتهم على البنية التحتية السعودية، قد يؤدي إلى انخراط أطرافٍ إقليميّةٍ إضافيةٍ في المواجهة، وعلى رأسها باكستان، التي تلعب دور الوسيط، لكنها ترتبط أيضًا باتفاقية دفاعٍ مشتركٍ مع السعودية وتحتفظ بقواتٍ وقدراتٍ عسكريّةٍ داخل المملكة.
وأكّدت الدراسة أنّ أيّ طلبٍ سعوديٍّ لمساندةٍ عسكريّةٍ باكستانيّةٍ سيضع إسلام آباد في موقفٍ بالغ الحساسية، إذ سيُقيّد قدرتها على الاستمرار وسيطًا محايدًا، ويعمق التوتر بين التزاماتها الأمنية تجاه الرياض ورغبتها في تجنب مواجهةٍ مباشرةٍ مع إيران.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لفتت الدراسة إلى أنّ اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، واحتمال امتداد الأزمة إلى باب المندب، وارتفاع أسعار الطاقة، ستفرض ضغوطًا سياسيةً متزايدةً على الإدارة الأمريكية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. كما أوضحت أنّ الاحتياطيّ النفطيّ الإستراتيجيّ الأمريكيّ انخفض إلى نحو 311 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود، ما يقلص هامش المناورة أمام واشنطن إذا طال أمد الأزمة أو تصاعدت اضطرابات أسواق الطاقة. وتخلص الدراسة إلى أن الهدف الأمريكي يتمثل في استثمار التفوق العسكري لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، إلا أن تمسك طهران بأهمية مضيق هرمز، وقدرتها على توسيع المواجهة وإلحاق خسائر بالقوات الأمريكية، يجعل نجاح هذه الاستراتيجية موضع شك.
وبحسب شافيط، لا يملك ترامب خيارات سهلة، فاستمرار العمليات العسكرية قد يقود إلى حرب استنزافٍ طويلةٍ، بينما قد يؤدي التصعيد الواسع إلى تورطٍ أمريكيٍّ في حربٍ لا ترغب بها واشنطن، في حين أنّ التوصل إلى تسويةٍ سريعةٍ قد يمنح إيران مكاسب تسعى إلى تكريسها.
ومع ذلك، ترجح الدراسة أنْ يبقى الخيار الدبلوماسيّ هو المفضل لدى ترامب إذا تمكن من تقديم أيّ اتفاقٍ باعتباره إنجازًا يضمن استئناف الملاحة البحريّة ووقف الهجمات على القوات الأمريكيّة، مع التأكيد على أنّ التحدي الحقيقيّ يتمثل في التوصل إلى اتفاقٍ يمنع إيران من فرض قواعد اشتباكٍ جديدةٍ، ويعالج كذلك ملفها النوويّ.
أمّا بالنسبة لإسرائيل، فأوصت الدراسة بالتركيز على التأثير في أهداف واشنطن وشروط أيّ تسويةٍ مقبلةٍ، بدل الدفع نحو حربٍ أوسع، مع الاستعداد في الوقت نفسه لكلٍّ من سيناريو التصعيد العسكريّ أو الانتقال السريع إلى اتفاقٍ، وضمان بقاء الملّف النوويّ الإيرانيّ في صلب أيّ ترتيباتٍ مستقبليّةٍ.
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
