لما الركاد
مقدمة: “دبلوماسية العطر” ونهاية العزلة الراديكالية
لم تعد السياسة الدولية المعاصرة تُدار بالخطابات الأيديولوجية الرنانة، بل بلغة المصالح الباردة والواقعية الفجة (Realpolitik). ولعل المشهد السريالي الذي شهده البيت الأبيض في واشنطن، حين استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره السوري الجديد في المكتب البيضاوي، لم يكن مجرد حدث بروتوكولي عابر؛ بل كان إعلاناً رسمياً عن ولادة حقبة سياسية جديدة في الشرق الأوسط. إن قيام الرئيس الأمريكي برش العطر على ثياب ضيفه في بادرة ودية غير مألوفة، لم يكن ليحدث لولا نجاح أكبر عملية “هندسة عكسية” وتدوير سياسي لقائد عسكري في التاريخ الحديث؛ وهو الإرهابي أبو محمد الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع، لينتقل من كونه المطلوب الأول على قوائم الإرهاب الدولية، إلى رئيس دولة معترف به يقود المرحلة الانتقالية في دمشق بعد سقوط نظام الأسد.
هذا التحول الدراماتيكي يعيدنا بالضرورة إلى الأطروحة السياسية والتحليلية المفصلية التي تشير إلى أن الجغرافيا السورية لم تكن طوال عقد ونصف مجرد ساحة حرب تقليدية، بل تحولت بقرار دولي غير معلن إلى “مختبر بيولوجي سياسي” معزول. في هذا المختبر، تم حشر واحتواء الفيروس الراديكالي، ممثلاً بالإرهابي (الجولاني) الذي تحول إلى (أحمد الشرع)، داخل بيئة مجتمعية مدنية ومعتدلة تاريخياً، لإجباره تحت وطأة الضغط العسكري والحصار الجغرافي على التخلي عن “الجهادية العالمية” وتطوير “متحوّر براغماتي محلي” يمكن للمنظومة الدولية التعامل معه وتوظيفه لضبط الاستقرار.
أولاً: “متحوّر دمشق” في مرآة مراكز الدراسات الدولية
في رصد كواليس هذا الصعود، لم يكن التحول السلوكي والفكري للإرهابي الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع نتاج صدفة بحتة، بل جرى تظهيره وتسويقه بعناية عبر كبرى مراكز الأبحاث والدراسات العالمية (Think Tanks) التي قدمت الدعم النظري لمتخذي القرار في الغرب لإعادة صياغة استراتيجية مكافحة الإرهاب.
1. مجموعة الأزمات الدولية (ICG): شرعنة “أفضل الخيارات السيئة”
لعبت مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) الدور المحوري الأبرز في التمهيد لشرعنة الوجه الجديد للرئيس السوري الحالي. فمنذ المقابلة التاريخية الشهيرة التي أجراها الباحث “دارين كليتر” مع الإرهابي أبو محمد الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع، بدأت الأدبيات البحثية الغربية تتخلى عن فكرة “الاستئصال العسكري” لصالح “التحوير البراغماتي”. وقد جادلت المجموعة في تقاريرها المطولة (مثل تقرير The Best of Bad Options) بأن تبرؤ الشرع من تنظيم القاعدة وتصفيته للأجنحة الأكثر راديكالية يمثل مصلحة استراتيجية للغرب، مما جعل المجتمع الدولي ينظر إليه مبكراً كشريك ضامن للاستقرار والأمن الإقليمي.
2. معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: شرط “حماية الأقليات”
سلطت دراسات معهد واشنطن (The Washington Institute) الضوء على مفهوم “توطين الجهاد” والشروط الصارمة التي وضعتها القوى الغربية للمضي في عملية التأهيل السياسي. وكان على رأس هذه الشروط الانتقال من الخطاب التكفيري الإقصائي إلى خطاب “حماية الأقليات الدينية والعرقية” وإدارتها ذاتياً ومؤسساتياً لتقديم نموذج حكم مستقر يتوافق مع المعايير الدولية المعاصرة.
ثانياً: الفجوة الدموية.. مجازر الأقليات خلف قناع البراغماتية
ورغم صكوك الغفران الدولية والتسويق الغربي لتنظيمه ككيان متبدل، فإن الوقائع على الأرض وأرقام مراكز توثيق الانتهاكات تكشف زيف هذا القناع. فبينما كان الإرهابي أبو محمد الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع يطرح نفسه دولياً كحامٍ للمكونات السورية، كان تنظيمه يرتكب مجازر وحشية وتصفيات عرقية وطائفية بحق (العلويين، الدروز، المسيحيين، والأكراد، وبعض السنة المعتدلين) انقسمت بين مرحلتين فارقتين:
1. مرحلة ما قبل الرئاسة (مرحلة الصعود والتمكين في الشمال وحماة واللاذقية):
خلال سنوات قتاله وسيطرته على مناطق شمال وغرب سوريا، ارتكب تنظيمه مجازر مروعة بدوافع طائفية وعرقية صريحة، ومن أبرزها:
- مجزرة قلب لوزة (الدروز): في يونيو 2015، ارتكب تنظيمه مجزرة بحق أهالي قرية “قلب لوزة” الدرزية في ريف إدلب، أسفرت عن تصفية 23 مدنياً من وجهاء القرية وسكانها بتهم كفر وردة، تلاها مصادرة ممتلكات الدروز وتهجير العشرات قسرياً.
- مجازر ريف اللاذقية وحماة (العلويين): ارتكب تنظيمه مجازر طائفية بشعة في قرى ريف اللاذقية الشمالي (مثل مجازر بلوطة وبارودا) وقرى ريف حماة (مثل الزارة واشتبرق)، حيث وثقت المنظمات الحقوقية إعدام ما يزيد عن 390 مدنياً علوياً ميدانياً، واختطاف أكثر من 200 امرأة وطفل.
- انتهاكات ريف إدلب وحلب (المسيحيين): واجه الوجود المسيحي في مناطق سيطرته تصفيات صامتة ومجازر متفرقة، أبرزها تصفية الرهبان ورجال الدين (مثل الأب فرنسوا مراد) ومصادرة عقارات وأملاك أكثر من 700 عائلة مسيحية في إدلب وجسر الشغور وقرية اليعقوبية، مما أدى لإخلاء المنطقة من سكانها الأصليين تماماً تحت وطأة التهديد بالقتل.
- استهداف المكون الكردي: عبر التنسيق مع فصائل مسلحة أيديولوجية، نفذ تنظيمه عمليات تصفية عرقية بحق المقاتلين والمدنيين الأكراد في مناطق التماس بريف حلب الشمالي وإدلب، نتج عنها مقتل ما لا يقل عن 80 مدنياً كردياً واعتقال وتغييب المئات في سجون “العقاب” الشهيرة التابعة له.
2. مرحلة ما بعد الرئاسة (مرحلة اجتياح المدن الكبرى والسيطرة):
بعد التمدد العسكري والسيطرة على دمشق وحمص والساحل، وتحت مسميات “تطهير فلول النظام” و”فرض الأمن”، ارتدى التنظيم قناعاً مؤسساتياً لتنفيذ تصفية حسابات كبرى:
- مجازر التطهير الصامت للعلويين في الساحل وحمص: تشير التقديرات الحقوقية الأولية إلى أن عمليات الاجتياح لقرى الساحل السوري وأحياء حمص شهدت إعدامات ميدانية وتصفيات عرقية واسعة بذريعة ملاحقة “الشبيحة”، حيث وثقت مراكز الرصد مقتل ما يقارب 1750 إلى 2000 مدني علوي في منازلهم عقب سقوط النظام.
- ملاحقة وتصفية القيادات الكردية والمسيحية والسنة المعتدلين: تحت غطاء محاربة التمدد الانفصالي في الشمال وملاحقة عملاء النظام القديم، رصدت تقارير حقوقية تصفية نحو 320 ناشطاً ومواطناً كردياً ومسيحياً وسنيا في مناطق متفرقة، وسط حملات دهم واسعة ومصادرة واسعة النطاق للأصول والأملاك العامة والخاصة لشرعنة السيطرة الاقتصادية الجديدة.
- سقوط آلاف الضحايا والجرحى من أبناء الطائفة الدرزية : في غضون أسابيع قليلة، فضلاً عن حملات الاعتقال الجماعية والتغييب القسري التي طالت الرموز الدينية والاجتماعية للجبل ومصادرة واسعة للأراضي والمحاصيل، في خطوة وصفتها الأوساط الأهلية بأنها محاولة ممنهجة لكسر شوكة المحافظة وإحداث تغيير ديموغرافي قسري في الجنوب السوري.
ثالثاً: الجغرافيا السياسية للمختبر.. جدران الحصار وتوافق المصالح
لقد بُنيت استراتيجية “المختبر السوري” على أساس إحكام الحصار الجغرافي لضمان عدم تسرب الفيروس الراديكالي إلى الخارج. وهنا تقاطعت مصالح القوى الدولية الكبرى (واشنطن، موسكو، أنقرة، وبكين) في إبقاء القفص السوري مغلقاً بإحكام لسنوات، لمراقبة نتائج هذه التجربة الفريدة.
الدور التركي والأمريكي: شكلت تفاهمات مسار سوتشي وأستانا، بالتوازي مع المراقبة الجوية الأمريكية، جدراناً سميكة حول هذا المختبر. وكان الشرط الدولي واضحاً: البقاء متاح فقط لمن يلتزم بحدود اللعبة ويحمي الجغرافيا الإقليمية.
مكافحة الإرهاب بالوكالة: وجدت الصين وروسيا والولايات المتحدة أن تكلفة ترك الإرهابي أبو محمد الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع يطهر المنطقة من التنظيمات الداعشية والقاعدية بنفسه، أقل بكثير من كلفة التدخل العسكري المباشر. وبذلك، تحول التنظيم المروض إلى “شرطي محلي” يؤدي مهام أمنية لصالح الأمن الدولي بالوكالة.
رابعاً: دلالات الانضمام للتحالف الدولي ورفع العقوبات
إن تتويج هذه التجربة بوصول الإرهابي الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع إلى سدة الرئاسة في دمشق، تلاه مباشرة خطوات دولية متسارعة لم تكن تخطر على بال أعتى المحللين السياسيين:
- تعليق قانون قيصر ورفع العقوبات: في خطوة براغماتية لافتة، سارعت واشنطن والعواصم الأوروبية إلى تجميد العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، لتمكين مؤسسات الدولة الجديدة من العمل وتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل الذي قد يهدد نجاح التجربة.
- الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش: تحول الرئيس السوري الجديد رسمياً من هدف لطائرات التحالف المسيرة، إلى شريك أساسي وعضو في التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش، مما يعني الحصول على غطاء استخباراتي وعسكري شرعي دولي.
خاتمة المقال: المعضلة الأخلاقية و”ثمن المختبر”
رغم أن صعود الإرهابي الجولاني الذي تحول إلى أحمد الشرع إلى سدة الرئاسة، واستقباله بحفاوة “معطرة” في البيت الأبيض، يُسجل في أدبيات العلوم السياسية كنجاح باهر لخيارات “الهندسة العكسية والترويض البراغماتي”، إلا أن هذا التجاهل الدولي للمجازر الموثقة بالأرقام بحق آلاف العلويين والدروز ، ومئات الأكراد والمسيحيين، يكشف عورة النظام الدولي القائم على المصالح الأمنية البحتة دون أي رادع أخلاقي.
لقد فضلت المنظومة الدولية إقامة “مختبر علمي” على أرض سوريا، ودفع ثمنه ملايين السوريين من دمائهم، ومستقبل أطفالهم، وحريتهم. لقد وُضع الشعب السوري بكافة أطيافه لسنوات داخل قفص تجريبي، ليراقب العالم كيف يمكن للمجتمع المدني السوري المنهك أن يمتص كراهية الفصيل المتطرف ويحوله إلى كيان سياسي مقبول.
وفي النهاية، حُرم السوريون من حلمهم البديهي والتاريخي في بناء دولة ديمقراطية مدنية خالصة عقب سقوط النظام القمعي السابق، ليجدوا أنفسهم أمام واقع فرضه “المختبر الدولي”: حكم تسيّره لغة المصالح الباردة، يقوده زعيم راديكالي سابق جرى تدويره وترويضه دولياً، ليصبح رئيساً معترفاً به، وبشهادة “عطرية” من المكتب البيضاوي نفسه، فوق جثث آلاف الضحايا الأبرياء الذين سحقتهم عجلات البراغماتية الدولية.
لما الركاد كاتبة وإعلامية سورية
جيوستراتيجيك ميديا ما وراء الخبر
