الرئيسية / أخبار / من “كش ملك” إلى “الاستسلام”: كيف تحولت حرب ترامب على إيران إلى مأزق استراتيجي

من “كش ملك” إلى “الاستسلام”: كيف تحولت حرب ترامب على إيران إلى مأزق استراتيجي

د. شهاب المكاحله

عاد روبرت كيغان بعد أسبوعين، في 21 مايو، ليصعّد انتقاداته لحرب إدارة دونالد ترامب على إيران، بمقال ثانٍ في ذي أتلانتك، بعد مقاله الأول “كش ملك في إيران”، ليحمل مقاله الجديد عنوانًا أكثر دلالة: “نهاية حرب ترامب هي الاستسلام.”

هذا الانتقال من “كش ملك” إلى “الاستسلام” ليس مجرد تصعيد لغوي، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في تقييم أحد أبرز منظّري المحافظين الجدد لحربٍ كان يُفترض أن تعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط. بدلًا من ذلك، يخلص كيغان إلى نتيجة واضحة: الولايات المتحدة تتجه نحو خسارة استراتيجية، نتيجة حرب قائمة على حسابات خاطئة وسوء تقدير.

حتى لو نفذ ترامب “ضربات أخيرة استعراضية”، فإن الواقع يشير إلى تفضيله إعلان النصر والانسحاب تحت غطاء اتفاق يحفظ ماء الوجه. وهذا بحد ذاته تراجع كبير، يعكس العجز عن تحقيق أي من الأهداف المعلنة أو الضمنية للحرب، وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني أو إعادة توجيهه نحو المعسكر الغربي.

تكشف هذه الحرب حدود القوة الأمريكية، رغم تفوقها العسكري الساحق، وتربك الحلفاء الذين راهنوا على الحسم، بينما تمنح الخصوم، وفي مقدمتهم إيران، مساحة أوسع للمناورة وتعزيز النفوذ. بل إن أخطر تداعيات هذه الحرب تمثلت في تعزيز موقع إيران الإقليمي، وليس إضعافه.

فقد تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة استراتيجية بيد طهران، التي لم تكتفِ بالتهديد، بل عززت سيطرتها الفعلية على حرية الملاحة، ولوّحت بتنظيم العبور وفرض رسوم عليه، ما يشكل سابقة خطيرة. كما امتد التأثير إلى تهديد البنية التحتية للطاقة في الخليج، بما في ذلك تعطيل استخدام خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي ينقل نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب نصف صادرات الإمارات النفطية.

إن تعطيل صادرات الطاقة، سواء عبر إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت الحيوية، لا ينعكس فقط على اقتصادات الخليج، بل يمتد ليصيب الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. وهنا تبرز مفارقة لافتة: ورقة مضيق هرمز أصبحت أكثر تأثيرًا في ميزان القوة الإيراني من البرنامج النووي نفسه، في هذه المرحلة.

تكتسب انتقادات كيغان وزنًا مضاعفًا، لأنه ليس من معارضي الحروب تقليديًا، بل من أبرز دعاة الهيمنة الأمريكية والحروب الاستباقية، الذين مهّدوا لحروب العراق وأفغانستان. حين يصدر هذا النقد من داخل هذا التيار، فإنه يعكس حجم المأزق الحقيقي الذي تواجهه إدارة ترامب.

الأخطر أن هذا المأزق لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي. فقد أدت الحرب إلى انقسامات حادة داخل الحزب الجمهوري، وداخل قاعدة “ماغا”، وسط تصاعد الغضب من كلفة الحرب الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع لجوء ترامب إلى إقصاء معارضيه داخل الحزب، يتجه نحو تكريس قيادة أكثر مركزية وأقرب إلى النمط السلطوي.

في المحصلة، لم تؤدِ الحرب إلى إضعاف إيران، بل ساهمت في تعزيز موقعها، وإبراز محدودية القوة الأمريكية، وإعادة تشكيل توازنات القوة الدولية لصالح منافسين مثل الصين وروسيا.

السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الحرب ستنتهي، بل بأي ثمن، ولصالح من.