أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / بين الخطاب الأيديولوجي والواقعية السياسية: روسيا كما هي لا كما تُقدَّم (١)

بين الخطاب الأيديولوجي والواقعية السياسية: روسيا كما هي لا كما تُقدَّم (١)

لما الركاد

في عالم السياسة الدولية، كثيرًا ما تُغلَّف المصالح بلغة أخلاقية أو حضارية، لكن عند الاختبار الحقيقي، تتكشف الأولويات الفعلية للدول. هنا تحديدًا تبرز المفارقة بين الطرح الفكري الذي يمثله ألكسندر دوغين، والنهج التحليلي الواقعي الذي يعكسه جورج فريدمان.

دوغين يقدّم روسيا كحاملة لمشروع حضاري بديل، يقف في وجه “الهيمنة الغربية” ويدافع عن التعدديةالثقافية واحترام خصوصيات الشعوب. هذا الخطاب، من حيث الشكل، يبدو جذابًا خصوصًا لدول العالمالثالث التي عانت تاريخيًا من الاستعمار والتدخلات الخارجية. لكن الإشكالية لا تكمن في الخطاب ذاته، بلفي الفجوة بينه وبين الممارسة.

فعند تتبع السلوك السياسي الروسي، يظهر نمط متكرر: التحالفات ليست ثابتة، والالتزامات قابلة لإعادةالتفسير، والدعم مشروط دائمًا بالمصلحة المباشرة. وهذا في حد ذاته ليس استثناءً روسيًا، بل سلوك تقليديلأي قوة كبرى. غير أن التناقض يكمن في أن هذا السلوك يُقدَّم غالبًا بغطاء أخلاقي أو حضاري، وكأن روسياتتحرك بدافع مبدئي، لا مصلحي.

هنا تحديدًا يبرز الفرق مع الطرح الذي يمثله فريدمان. فهو لا يدّعي أن القوى الكبرى أخلاقية، ولا يجمّلسلوكها، بل يقدّم قراءة صريحة مفادها أن الدول—وخاصة الكبرى منها—تتحرك وفق مصالحها أولًا وأخيرًا. في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة، رغم كل الانتقادات الموجهة لها، أكثر وضوحًا في إعلان دوافعها، حتىوإن لم تكن عادلة أو مقبولة.

المشكلة إذن ليست في أن روسيا “تتخلى” أو “تعيد التموضع”، فذلك جزء من قواعد اللعبة الدولية، بل فيالطريقة التي تُسوّق بها نفسها. فعندما يُبنى الخطاب على وعود أخلاقية أو على حماية “الشعوب المظلومة”، ثم تأتي السياسات على الأرض متناقضة مع هذا الطرح، تتآكل المصداقية تدريجيًا.

لو أن روسيا التزمت جزئيًا بالرؤية التي يطرحها دوغين حول احترام الخصوصيات الحضارية وبناء نظامعالمي أكثر توازنًا، لكان بإمكانها أن تكتسب رصيدًا معنويًا حقيقيًا لدى الشعوب، لا فقط لدى الأنظمة. لكن مايحدث غالبًا هو العكس: خطاب مرتفع السقف، يقابله سلوك براغماتي بحت.

في النهاية، قد يكون الحكم الأكثر دقة هو أن روسيا ليست استثناءً، بل هي جزء من منظومة دولية تحكمهاالمصالح. الفرق فقط أن بعض القوى تعلن ذلك بوضوح، بينما يفضّل البعض الآخر تغليفه بلغة أيديولوجية. وبين هذا وذاك، تبقى الشعوب وخصوصًا في مناطق النزاع هي الطرف الذي يدفع ثمن هذه التناقضات.

لما الركاد صحفية وكاتبة واعلامية سورية