أحدث الأخبار
الرئيسية / أخبار / وثيقة الأمن القومي الأمريكي: خريطة عالمية جديدة تحت شعار “أمريكا أولاً”

وثيقة الأمن القومي الأمريكي: خريطة عالمية جديدة تحت شعار “أمريكا أولاً”

د. شهاب المكاحله

تأتي الوثيقة الأخيرة للأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترامب، والمكوّنة من 29 صفحة، كأوضح بيان أيديولوجي وسياسي لإدارته في ولايته الجديدة حتى 2028. فهي ليست مجرد مراجعة للسياسة الخارجية، بل إعلان صريح لإعادة رسم الخريطة العالمية وفق منظور أحادي يؤكد أنّ الزمن الذي تأقلمت فيه واشنطن مع مسؤوليات النظام الدولي بعد 1991 قد انتهى، وأن الولايات المتحدة باتت عازمة على حماية نفسها أولاً— اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً — حتى لو كان ذلك على حساب حلفائها التقليديين، بمعنى آخر حتى لو تطلب الأمر التضحية بهؤلاء الحلفاء.

أولاً: نهاية “العالم القديم”
ترامب ينظر إلى مرحلة ما بعد الحرب الباردة باعتبارها عبئاً ثقيلاً: تدخلات واسعة، تحالفات مكلفة، أعباء مالية ضخمة، ومؤسسات دولية — من الأمم المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية — يراها منحازة أو عاجزة أو حتى مضرة بالمصلحة الأمريكية. لهذا، لا تتردّد الوثيقة في إعلان ما يشبه “طلاقاً سياسياً” مع هذه المنظومة، معلنة أن المؤسسات الدولية ستخضع فقط لما يخدم الأمن القومي الأمريكي، لا العكس.

الأهم أن الوثيقة تُغلق الباب أمام واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل: الهجرة. فالإعلان بأن “عصر الهجرة الجماعية قد انتهى” يمثّل تحوّلاً جذرياً في الهوية الأمريكية نفسها، التي تأسست تاريخياً على موجات الهجرة. هنا يريد ترامب أن يعيد تعريف “من هو الأمريكي؟” وأن يربط الأمن القومي بشكل مباشر بصرامة ضبط الحدود.

ثانياً: السلام عبر استعراض القوة
تتباهى الوثيقة بـ “إنهاء ثماني صراعات عالمية” وتطرح نظرية كلاسيكية: السلام يتحقق من خلال التفوق العسكري وليس من خلال الدبلوماسية غير المشروطة. هذا يعيد الولايات المتحدة إلى منطق الحرب الباردة: الردع، الحضور العسكري، والتحالفات التي تُبنى على مصلحة واشنطن أولاً.

لكن ما هو جديد أن ترامب لا يريد حلفاء مجانيين. فالدول التي كانت تعتمد لعقود على المظلة الأمريكية مطالبة بدفع 5% من ناتجها القومي للدفاع. فأوروبا، التي تستمر في الغرق في نقاشات بيروقراطية، تجد نفسها أمام رسالة قاسية: “إما أن تدفعوا، أو تضمنوا أمنكم بأنفسكم”.

ثالثاً: الصين.. الخصم الرئيسي
تعتبر الوثيقة الصين دون مواربة التهديد الحقيقي. ليست مسألة توازن قوى، بل صراع بين نموذجين اقتصاديين وسياسيين. لذلك تركز الولايات المتحدة على ثلاث نقاط: تعزيز التحالفات في آسيا–المحيط الهادئ، سحب سلاسل التوريد من الصين، والسيطرة على المعادن النادرة وإعادة التصنيع المحلي.

هذا إعلان لحرب اقتصادية باردة طويلة الأمد، قد تتحول إلى مواجهة صلبة إذا تدهورت الحسابات الاستراتيجية.

رابعاً: إعادة تعريف المناطق الإقليمية
الوثيقة تُعيد ترتيب الأولويات بشكل حاد:

  • نصف الكرة الغربي (الأمريكتين): يُعامل كما لو أنه “الحديقة الخلفية الحصرية” للولايات المتحدة، بملحق جديد لعقيدة “مونرو”، يمنع أي تدخل صيني أو روسي أو حتى أوروبي.
  • أوروبا: التحذير من “انحدار حضاري” يبدو كأنه صفعة سياسية للاتحاد الأوروبي، ورسالة بأن الناتو سيبقى كما هو دون توسيع.
  • الشرق الأوسط: تحوّله إلى “مساحة استثمارات” لا ساحات حروب. لم تعد واشنطن ترى نفسها شرطياً في المنطقة، بل شريكاً اقتصادياً، مع تركيز خاص على السعودية والإمارات، واعتبار أن إيران تراجعت.
  • أفريقيا: نهاية مرحلة “المساعدات بلا مقابل”، وبداية مرحلة الاستثمار والتجارة.

خامساً: ردود الفعل الدولية
ردود الفعل جاءت متوقّعة: فالولايات المتحدة نفسها منقسمة، والإعلام يرى الوثيقة قاسية على أوروبا ومتحيّزة إلى نهج انعزالي جديد. أما الصين فتراها إعلاناً صريحاً لنظام عالمي مضاد لها وأوروبا تعتبرها تهديداً جديداً للناتو وللعمود الفقري للأمن الأوروبي وروسيا تراها عودة لحقبة الحرب الباردة.
باختصار فأن وثيقة الامن القومي الأمريكي التي أعدت في نوفمبر 2025 لا تعد وثيقة تقنية بل هي بيان أيديولوجي يعكس رؤية ترامب لعالمٍ بلا أوهام: عالم متعدد القوى، مضطرب، تجاري النزعة، تتحرك فيه الدول على قاعدة المصالح الصرفة لا القيم المشتركة. وفي هذا العالم، تريد الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب أن تخلع عباءة “الشرطي الدولي” وتكتفي بعباءة “القوة المهيمنة ذات الأولوية الذاتية”.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الاستراتيجية قوية أو ضعيفة، بل ما إذا كان العالم قادراً على التكيف معها دون أن ينزلق إلى مرحلة جديدة من المواجهات.

ومهما قيل عن ترامب، فإن وثيقته ستبقى واحدة من أكثر الوثائق وضوحاً وصراحة في تاريخ الأمن القومي الأمريكي — وثيقة تعلن صراحة أن الولايات المتحدة، حتى 2028، ستعيد رسم العالم وفق مصالحها وليس وفق قواعد النظام الدولي القديم.