الرئيسية / أخبار / «فورين أفيرز»: الصين تخسر الهند.. ماذا سيحدث بعد ذلك؟

«فورين أفيرز»: الصين تخسر الهند.. ماذا سيحدث بعد ذلك؟

Print Friendly, PDF & Email

«الصدام بين الصين والهند في الهيمالايا سيدفع نيودلهي صوب واشنطن»؛ بهذه الكلمات افتتح تانفي مادان، الزميل الأقدم ببرنامج السياسة الخارجية في معهد بروكنجز، مقالًا يستعرض تاريخ الصدام الحدودي بين الصين والهند، وآمال إبرام اتفاقية أو تسوية لإنهاء هذا الصراع بين البلدين.

يقول مادان في مستهل مقاله المنشور على صفحات مجلة «فورين أفيرز»: تعهد الرئيس الصيني شي جين بينج ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في القمة التي انعقدت على شاطئ البحر جنوب الهند في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، بأن يرتقيا بالعلاقات بين بلديهما إلى «مستويات أعلى» في العام المقبل.

وتعهد الجاران الآسيويان – تضم البلدان سويًا أكثر من ثلث سكان العالم – بأن يعملا على نحو أوثق في عام 2020، في الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الرسمية بين الدولتين. ووضع المسؤولون الخطوط العريضة لـ70 نشاطًا مشتركًا، تتراوح بين تبادل الوفود التجارية والعسكرية وإجراء الدراسات الأكاديمية للروابط الحضارية القديمة، وهي الأنشطة التي تهدف في مجملها إلى تعزيز التعاون الصيني – الهندي.

ولكن بدلًا عن ترسيخ روابط أعمق، سلط عام 2020 الضوء على المنافسة المتنامية بين الصين والهند. فمنذ مطلع مايو (أيار)، وقعت مواجهات بين القوات الصينية والهندية في نقاط متعددة على الحدود البعيدة والوعرة والمتنازع عليها غالبًا بين الدولتين. 

وتفاقم الوضع في 15 يونيو (حزيران) عندما اصطدم الجنود الصينيون والهنود في وادي جالوان، وأسفرت المناوشات بينهم عن مقتل ما لا يقل عن 20 جنديًا هنديًا، إلى جانب مقتل عدد غير معلوم من القوات الصينية (الصين لم تكشف بعد عن أرقام خسائرها).

ووفقًا للحكومة الهندية، فإن الصين عجَّلت بنشوب الصراع بسعيها لتغيير الوضع الراهن على الحدود، والتقدم في المناطق التي يدعي كلا البلدان ملكيتها، أو إعاقة الدوريات الهندية فيها. وفي الوقت ذاته، حمل مسؤولون صينيون الهند المسؤولية واتهموها بالتحريض على المواجهة العنيفة.

ويشير الكاتب إلى أن النزاع الحدودي بين الصين والهند تسبب في اندلاع حرب شاملة عام 1962، وكان مصدرًا مستمرًا للاحتكاك بينهما منذ ذلك الحين. ومع ذلك فالعنف الذي وقع في الأسبوع الماضي تصعيد خطير؛ إذ أسفرت المناوشات عن سقوط أولى الوفيات على طول الحدود الصينية – الهندية منذ 45 عامًا. كما أظهرت أنه على الرغم من جهود نيودلهي وبكين الجديد لتوثيق التعاون بينهما، تظل علاقتهما تنافسية في الأساس، وهو الاتجاه الذي يتفاقم، ويمكن أن يتحول إلى صراع. بعبارة أخرى: يمكن أن يكون لهذا الصدام الدموي في الهيمالايا تداعيات واسعة النطاق على الجغرافيا السياسية في آسيا.

مصادر التوتر

على مدار العقدين الماضيين، عمقت الصين والهند علاقاتهما الدبلوماسية. وعززا روابطهما الاقتصادية، وعقدا اجتماعات على أعلى مستوى، وشاركا سويًا في مؤسسات إقليمية على غرار «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية» ومنظمات متعددة الأطراف، مثل مجموعة «بريكس» التي تضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا.

وتعد الصين ثاني أكبر شريك تجاري للهند، إذ ارتفع الاستثمار الصيني في الهند من مبلغ زهيد منذ سنوات قليلة إلى نحو 26 مليار دولار من الاستثمارات الحالية والمخطط لها، بما في ذلك الاستثمار في قطاع التكنولوجيا. كما شهدت السنوات الأخيرة زيادة عدد الهنود الذين يسافرون للدراسة في الصين، وزيادة في عدد السائحين الصينيين الذين يزورون الهند.

ولكن هذه المؤشرات التي تدل على زيادة التعاون بين البلدين لا يمكنها إخفاء المنافسة المتنامية بين البلدين. فعلى مدار العقد الماضي، تفجَّر النزاع الحدودي طويل الأمد في منطقة ديبسانج عام 2013 وتشومار عام 2014، حيث شارك الجيشان في مواجهة دامت 73 يومًا في مدينة دوكلام عام 2017. وفي كل حالة من هذه الحالات، اتهمت الهند الصين بمحاولة تغيير الوضع الإقليمي الراهن من طرف واحد من خلال تقدُّم قواتها، وتأسيس وجود دائم في مواقع ما كان لها أن تحتلها. وتستمر مسائل أخرى غير محسومة في إفساد العلاقة الثنائية، بما في ذلك وجود الدلاي لاما واللاجئين التبتيين في الهند (مما يثير غضب الصين)، وسيطرة الصين على مياه نهر براهمابوترا (مصدر من مصادر القلق للهند)، وما تراه نيودلهي على أنها علاقة اقتصادية غير متوازنة.

علاوة على ذلك، تشعر نيودلهي أنها مُطوَّقة على نحو متزايد؛ إذ لم تعزز بكين روابطها الوثيقة مع غريم الهند التقليدي باكستان فقط، بل وسعت الصين أيضًا وجودها في بلدان أخرى في جنوب آسيا، بما فيها بنجلاديش، ونيبال، وسريلانكا، وكذلك في منطقة المحيط الهادي الأوسع نطاقًا.

من جانبها نظرت بكين بارتياب إلى تقارب الهند المتنامي ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل أيضًا مع أستراليا، واليابان، وبعض بلدان جنوب شرق آسيا. ويشعر مسؤولون صينيون بالقلق إزاء انضمام الهند إلى الجهود التي تقودها الولايات المتحدة ضد الصين.

وعلى صعيد المؤسسات العالمية، يعتقد مسؤولون هنود أن الصين تسعى إلى إحباط طموح الهند على الساحة الدولية عبر حجب عضويتها في منظمات مثل: «مجموعة موردي المواد النووية»، و«مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». وتخشى الصين بدورها من أن زيادة التنسيق الهندي مع الولايات المتحدة في مؤسسات متعددة الأطراف، مثل «فريق العمل المعني بالتدابير المالية»، و«الأمم المتحدة»، و«المنظمة العالمية للملكية الفكرية» سيهدد المصالح الصينية.

«لحظة فارقة»

ويرى الكاتب أن الاحتكاك المتزايد على طول الحدود المتنازع عليها كان مُتوقعًا إلى حدٍ ما. فعلى مدار العقد الماضي أسست الهند بنية تحتية – بما في ذلك طرق وجسور – بالقرب من الحدود لمحاولة مضاهاة الجهود الصينية المماثلة. ولكن المواجهة الحالية تختلف عن الصدامات الثلاثة السابقة في عهد شي جين بينج، في حجمها فضلًا عن شدتها. 

ومع أن المناوشات السابقة وقعت في موقع واحد، إلا أن هذه المناوشة اندلعت بالتزامن تقريبًا في مواقع متعددة في القطاع الغربي للحدود الصينية – الهندية وفي موقع آخر في القطاع الشرقي. كما تشهد هذه الجولة من الصدامات نشر عدد أكبر من القوات، وقدرًا أكبر بكثير من العدوانية، على كلا الجانبين، أكثر من المناوشات السابقة. وتشير صور الأقمار الصناعية والتقارير المحلية إلى أن الصين والهند ترسلان تعزيزات إلى المنطقة عقب الصدام.

ويشير المقال إلى أن العنف الذي وقع في 15 يونيو (حزيران) يحمل في طياته إمكانية تحديد ما وصفه بعض المحللين بـ«اللحظة الفارقة» في العلاقة بين الصين والهند. ولم تسفر المعركة عن أولى الوفيات على طول الحدود منذ أكتوبر 1975فقط، بل أوضحت أن الاتفاقات والبروتوكولات الحدودية القائمة غير فعالة. وتشير أيضًا إلى أن وجهات نظر المسؤولين الصينيين والهنود لم تكن متطابقة بشأن الحدود الممتدة التي جرى تسويتها والحدود التي لا تزال في موضع جدال. 

وتدَّعي بكين الآن سيادتها على وادي جالوان، تلك المنطقة التي لم تكن بؤرة توتر منذ عام 1962. وهذا المأزق يكرر على نحو مثير للقلق ما حدث في منتصف الخمسينات إلى أواخرها، عندما اعتقد رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو بضرورة حل المسألة الحدودية، لكنه علم في نهاية المطاف أن الجانب الصيني لم يقبل الوضع الراهن؛ ما أسفر عن سلسلة من الأحداث التي أشعلت الحرب بين الصين والهند عام 1962.

وينخرط مسؤولون صينيون وهنود في الوقت الحالي في حوار على الصعيدين العسكري والدبلوماسي لتخفيف حدة التوترات، ولكن وقف التصعيد ربما لا يكون مباشرًا. وبعد وفاة العديد من الجنود، سيجعل الشعب الهندي الغاضب من الصعب على مودي قبول تغيير في الوضع الراهن على طول الحدود. 

ولكن من أجل استعادة الوضع الراهن الذي سبق التحركات العسكرية الصينية في مايو (أيار)، تحتاج الهند إما إلى إقناع بكين بسحب قواتها من العديد من المناطق أو طرد «جيش التحرير الشعبي» بالقوة من المناطق المتنازَع عليها.

ويستدرك الكاتب قائلًا: «ربما يدفع الصدام في وادي جالوان صناع السياسة الهنود إلى اتباع نهج متصلب حيال الصين». وكانت القراءة الهندية لمكالمة 17 يونيو بين وزيري الخارجية أكثر حزمًا من نظيرتها الصينية، إذ قال سوبراهمانيام جاي شانكر لنظيره وانج يي: إن «هذا التطور غير المسبوق سيكون له تأثير خطير على العلاقات الثنائية». 

ومنذ ذلك الحين، أشار مسؤول هندي صراحة إلى أنه سيكون من «السخف» عدم توقع وقوع تداعيات اقتصادية أو على أصعدة أخرى. وربما تكون التقارير التي ترصد حدوث تغييرات في التوجيهات المتعلقة بالشراء في قطاع الاتصالات الهندي لاستثناء الشركات الصينية مقصودًا بها إرسال إشارات، لكنها أيضًا تُلمِّح بما قد يعقب ذلك.

موقف أكثر تشددًا

ويرجح مادان أن تُضعِف المواجهة موقف الساعين داخل الحكومة الهندية إلى مزيد من التعاون مع الصين، أو يجادلون بأن الروابط الاقتصادية الأكثر قوة ستخفف حدة التوتر السياسي. وقد تبنى العديد من المدافعين السابقين عن هذه النُهُج الأكثر مرونة الآن موقفًا يتسم بحزم أكبر. 

والشعور الجماهيري، المتدهور بالفعل بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد، تفاقم تدهوره مع نشر تفاصيل وحشية قتل الجنود الهنود في وادي جالاوان في وسائل الإعلام الهندية. وسرعان ما أعقبت تلك الأنباء دعوات لمقاطعة المنتجات الصينية.

هذه المناوشة الأخيرة أعلنت بوضوح ضرورة أن تتخذ نيودلهي بعض الخيارات الحاسمة. وفي الداخل، يمكن أن تضطر الحكومة إلى تحسين القدرات العسكرية الهندية والبنية التحتية الحدودية؛ ما سيتطلب تحويل الموارد بعيدًا عن الإنفاق على التنمية. بالإضافة إلى ذلك سيستهدف المسؤولون الهنود تعزيز العلاقات مع قوى إقليمية وعالمية أخرى للموازنة مع الصين الأكثر حزمًا.

ويشير الكاتب إلى أن نيودلهي وواشنطن من المرجح أن يزداد تقاربهما. ذلك أن المخاوف المتعلقة بسلوك الصين هي التي تقود العلاقات الأمريكية – الهندية إلى حدٍ بعيد، بالإضافة إلى الاعتقاد الهندي بأن الولايات المتحدة «لا غنى عنها» في تحقيق توازن قوى عالمي. ولكن سيكون هناك بعض التردد في نيودلهي إزاء وضع جميع بيضها في السلة الأمريكية.

ويساور مسؤولون هنود قلقًا بشأن مصداقية واشنطن ومدى اتساق السياسة الأمريكية تجاه الصين. كما أنهم لن يرغبوا في مضايقة روسيا، أحد المصادر المهمة للمعدات العسكرية وأحد الشركاء الهنود القلائل الذين ربما يتمتعون ببعض النفوذ لدى الصين.

ويختم الكاتب مقاله بالقول: تظل هناك احتمالية بعيدة، وهي وصول الهند والصين إلى اتفاقية أو تسوية مؤقتة جديدة وأكثر فعالية. إذ أسفرت مواجهة حدودية خطيرة في الفترة ما بين 1986 إلى 1987 عن زيارة تاريخية للصين قام بها رئيس الوزراء (حينئذ) راجيف غاندي عام 1988، وإبرام الاتفاقية الحدودية الجديدة بعد ذلك. ولكن يبدو أن هذه النتيجة الإيجابية غير مرجحة حتى الآن. وحتى إن تبلورت اتفاقية جديدة، فإن ضغينة الأسابيع القليلة الماضية تؤكد أن الهند ستشك في التزام الصين بالمواثيق المستقبلية. وسوف تراقب نيودلهي بحذر حدودها الشمالية الجبلية تحسبًا لأية بوادر عدوانية صينية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».