الرئيسية / أخبار / فنزويلا مسرح للقوى الدولية ومستقبل غامض

فنزويلا مسرح للقوى الدولية ومستقبل غامض

Print Friendly, PDF & Email

د. سماء سليمان

دكتوراه في فلسفة العلوم السياسية وخبير في العلاقات الدولية

تشهد الساحة الفنزويلية فى المرحلة الراهنة تطورات متسارعة ، منذ أن أعلن رئيس البرلمان “خوان جوايدو” نفسه رئيسا مؤقتا للبلاد، وما تلى ذلك من اعتراف سريع من قبل كلا من الولايات المتحدة، وتبعتها كندا، كولومبيا، بيرو، الإكوادور، باراجواى، البرازيل، تشيلى، بنما، الأرجنتين، كوستاريكا، جواتيمالا، جورجيا وبريطانيا ثم الاتحاد الأوروبي. فيما أيدت كل من روسيا وتركيا والمكسيك وبوليفيا وأوروجواى وكوبا شرعية “نيكولاس مادورو”، الذى أدى مطلع شهر يناير اليمين الدستورية رئيسا لفترة جديدة لمدة 6 سنوات، وهو الأمر الذى خلق ساحة جديدة للمعركة المحتدمة بين واشنطن وموسكو، بدأت بوادرها فى حرب التصريحات التى أطلقتها الإدارة الروسية لإدانة التحرك الأمريكى، وبعد ذلك فى مجلس الأمن عندما وقفت روسيا والصين أمام مشروع أمريكى لاستصدار بيان دولى للاعتراف بالسلطة الجديدة بكاراكاس، وهذا يدعو للتساول حول من يحسم الصراع؟ وما مستقبل دولة فنزويلا؟

أسباب الأزمة:

بداية، يمكن القول أن الأزمة الفنزويلة تتلخص في جملة وهي: “سوء إدارة اقتصادية أدى إلى أزمة سياسية عاصفة”، فقد كان الحظ السيئ حليفاً للرئيس مادورو عندما تراجعت الأسعار العالمية للنفط بعد عام واحد من توليه السلطة فى عام 2013، ومن المعروف أن فنزويلا واحدة من الدول التى تعتمد على البترول بصورة شبه كاملة لتمويل اقتصادها. وقد أدى ضعف العائدات البترولية إلى خلق مستوى عالي من التضخم، تدنّى معه سعر العملة المحلية بصورة غير مسبوقة، وارتفعت الأسعار بشكل كبير، ونقص فى المواد الغذائية الأساسية والأدوية، وتوفير الخدمات العامة، وزادت نسب الفقر والفقر المدقع بدرجة خطيرة. وارتفاع معدلات هروب الفنزويليين من الواقع الاقتصادى المتردى بالدولة، بحثاً عن حياة جديدة فى دولة أخرى.

ولذا أعلن الرئيس مادورو أكثر من مرة خلال عام 2018 أن حرباً اقتصادية تخوضها القوى الخارجية ضد فنزويلا، وأرجع إليها حالة التدهور التى ضربت اقتصاد البلاد. وهو الكلام الذي لم يعجب المعارضة، حيث تظاهر العشرات من معارضى الرئيس، مطالبين بانتقال سلمى للسلطة لزعيم المعارضة خوان جوايدو، ووانضم لهم قطاع كبير من الشعب الذى يعانى. ولكى يواجه مادورو التململ الشعبى، أصدر قانوناً أطلق عليه “قانون كراهية فنزويلا” واستخدمه كأداة لمعاقبة المعترضين على سياساته الاقتصادية. كما لجأ إلى آليات المواجهة التقليدية فى مواجهة الشعب فى الشوارع، ولذا ارتفع صوت المعارضة، ومنه إلى الجمعية الوطنية، ومنه إلى رئيسها “خوان جوايدو”، الذى يتزعّم حركة المعارضة، فأعلن نفسه رئيساً لفنزويلا.

وسط الانكماش الاقتصادى وأزمة الشرعية التى تمر بها حكومته، أعلن الرئيس مادورو في 31 يناير، إنه قدر ألف مليون يورو لتجميل أكثر المدن اكتظاظا بالسكان خلال تدشين البرنامج الحكومى “فنزويلا بيلا” والذى كان أعلن عنه فى بداية شهر يناير وأشار إلى أن هذه الخطة تهدف إلى وضع  كاراكاس من بين أكثر المدن تقدما فى أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبى.

الدور الخارجي في الأزمة:

أمام انقسام الرأى العام العالمى حيال المشهد فى فنزويلا، انحازت روسيا والصين للنظام القائم برئاسة مادورو، في حين انحازت الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية لجبهة المعارضة بزعامة جوايدو، تعيش فنزويلا الآن برئيسين، أحدهما مدعوم أمريكياً، والآخر مدعوم روسياً وصينياً. حيث يرى مادورو أنه صاحب الشرعية حيث جاء بالصندوق فى انتخابات 2013، فى حين يرى معارضه جوايدو أنه سار بالبلاد نحو الهاوية، وأضاع اقتصادها، وتسبّب فى معاناة مواطنيها، وأن أوان خروجه من الحكم قد آن.

وقد كان انحياز أمريكا سريعا، حيث كتب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على تويتر “تظاهرات كبيرة فى أنحاء فنزويلا اليوم ضد مادورو .. الكفاح من أجل الحرية بدأ”. وأشاد ترامب بما وصفه بـ “التعبئة” التى يقوم بها آلاف المعارضين الفنزويليّين. وأجرى اتصالاً هاتفيا بالمعارض جوايدو، وهنأه بعدما كان قد أعلن نفسه رئيسا بالوكالة لفنزويلا، وقال البيت الأبيض فى بيان له، أن ترامب وجوايدو توافقا على البقاء على تواصل دائم بهدف دعم استعادة فنزويلا لاستقرارها وإعادة بناء العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وقالت سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي تحدث مع جوايدو “لتهنئته بتولي الرئاسة في خطوة تاريخية وليؤكد دعمه القوي لكفاح فنزويلا من أجل استعادة ديمقراطيتها”.

هذا وقد فرضت الولايات المتحدة اجراءات جديدة من خلال أمر تنفيذى ضد الأفراد والكيانات العامة ذات الصلة بحكومة نيكولاس مادورو. من بينها البنك المركزى الفنزويلى والشركة الوطنية للنفط، حيث قررت الولايات المتحدة الأمريكية، فرض عقوبات على شركة النفط الفنزويلية المملوكة للدولة، الأمر الذي سيعرض الرئيس مادورو، لضغوط مالية كبيرة، حيث أعلن وزير الخزانة ستيف منوشين، ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض يوم 28 يناير، عن فرض عقوبات على الشركة الوطنية للنفط في فنزويلا، والتي تمتلك شركة النفط “Citgo” التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها. وتتضمن العقوبات تجميد أصول مملوكة لشركة النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة تقدر قيمتها بنحو 7 مليارات دولار، الأمر الذي سيؤدي إلى تكبد الشركة خسائر تزيد على 11 مليار دولار في العام المقبل.

وقد حملت الولايات المتحدة المسؤولين في فنزويلا مسؤولية الوضع المأساوي الذي تشهده البلاد حاليا، حيث عانت شركة النفط الوطنية منذ فترة طويلة من الاختلاس وفساد المسؤولين الفنزويليين ورجال الأعمال، ومن ثم فإن فرض العقوبات على شركة النفط، سيساعد على منع المزيد من تحويل أصول فنزويلا لحكومة مادورو، وسيحافظ على هذه الأصول لشعب فنزويلا، وستكون العقوبات لها تأثير في زيادة الضغط ليس على مادورو فقط ولكن على دائرته الداخلية التي يقال إنها تستفيد ماليا من المؤسسة المملوكة للدولة.

فضلا عن أن أي عقوبات ستكون فعالة “على الفور”، وأن أي مشتريات من النفط الفنزويلي، من قبل كيانات أمريكية ستخضع للعقوبات، ولن يتم الإفراج عن قيمة هذه المشتريات إلا لقادة فنزويلا الشرعيين، وتمثل العقوبات النفطية التصعيد الأحدث والأكثر أهمية لحملة ضغط إدارة ترامب التي تهدف إلى طرد مادورو من السلطة.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد اعترف بزعيم المعارضة الفنزويلية جوايدو رئيسا شرعيا لفنزويلا، كما استمرت الولايات المتحدة في زيادة الضغوط على مادورو للاستقالة، وحث بولتون الجيش الفنزويلي، على التخلي عن مادورو، والاعتراف بشرعية جوايدو.

وفي رد فعل مادورو، وصف الرئيس الفنزويلى العقوبات الأمريكية بأنها “غير قانونية” و “أحادية الجانب”. ضد PDVSA ، بإبلاغها بأنها تقوم بتقييم الإجراءات القانونية التى ستقوم بها الدولة الواقعة فى أمريكا الجنوبية دفاعا عن أصولها فى الخارج. وشدد قائلا “بهذا الإجراء، تحاول شركة Citgo سرقة كل الفنزويليين، كما أكد أن واشنطن تقف فى مقدمة الانقلاب والتدخل فى فنزويلا، “إذا أرادوا تدميرنا ، فلن نسمح بذلك”.

مستقبل الصراع:

يمكن القول أننا أمام عدد من السيناريوهات، كالتالي:

السيناريو الأول: حرب اهلية وانقسام الجيش:

أعلن “مادورو” أنه يستعد للدخول فى مواجهة عسكرية مع معارضيه، وأنه سيحارب فى كل مدينة فنزويلية، مما يعني أنه يهدد بالجيش الذي أعلن ولائه وتأييده له. ولكن تكمن خطورة الدعوة التى يتبناها جوايدو من دعوة الجيش لتغيير موقفه من مساندة مادورو في كونها لا تقتصر فقط على احتمالات الصدام بين أنصار مادورو المحتشدين بدورهم فى الشوارع الفنزويلية، من جانب، وعناصر المعارضة المؤيدة له، وإنما تمتد إلى وضع الجيش فى جانب “الخصم” لقطاع من مواطنى الدولة، خاصة فى مثل هذا التوقيت الحساس، والذى تعانى فيه الدولة من جراء حالة من عدم الاستقرار، وبالتالى قد يؤدي إلى انقسامات داخل الجيش ومن ثم إلى التحارب الداخلي وإلى حرب أهلية لن تبق الدولة، وسيحول معاناة الشعب الفنزويلى إلى مأساة كاملة.

السيناريو الثاني: إجراء انتخابات رئاسية جديدة

اقترح الاتحاد الأوروبى قبل الاعتراف بخوان جوايدو رئيسا جديدا للبلاد الاحتكام إلى الصناديق وإجراء انتخابات جديدة، خاصة أن هناك اتهامات  بأن مادورو قد زور الانتخابات الأخيرة ومن ثم يمكن القول أن هذا السيناريو غير مرجحا لأنه يتعين على نظام مادورو والسلطات التنفيذية فى فنزويلا قبول مراقبة دولية شاملة للانتخابات وهو أمر مستبعد.

السيناريو الثالث (المتفائل): أجراء حوار مجتمعى

يمكن القول أنه منذ إعلان جوايدو فى 23 يناير رفضه شرعية مادورو وتنصيب نفسه رئيسا وإعلان الولايات المتحدة وعدد من دول الجوار اللاتينى الاعتراف به، تعانى فنزويلا انقسام غير مسبوق، ومع ذلك فإن الجلوس على طاولة الحوار وتقديم تنازلات متبادلة يظل أحد أفضل سيناريوهات الخروج من الأزمة، خاصة أن هناك العديد من الدول بإمكانها القيام بوساطة بين طرفى الصراع، بخلاف الدول التى أعلنت الانحياز الكامل لأحد الطرفين، ومن بين تلك الدول القادرة على تقريب وجهات النظر المكسيك وأوروجواى.

السيناريو الرابع (الأسوأ): تدخل عسكرى خارجي

ظهر هذا السيناريو جليا بعد تلميحات مستشار الأمن القومى الأمريكي جون بولتون لمثل هذا الإجراء، وتأكيده أن “كل الخيارات مطروحة على الطاولة”. وبخلاف تصريح بولتون، التقطت عدسات الكاميرات صورة له حاملا مجموعة من الأوراق مدون عليها “إرسال قوة عسكرية إلى الحدود الفنزويلية”.

وما يعضد هذا السيناريو هو تساؤل مايكل إيفانز، فى مقاله بصحيفة التايمز البريطانية يوم 30 يناير عن مخططات البنتاجون فى حال قرر استخدام القوة العسكرية لإزاحة الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، ونقل عن مسؤول رسمى سابق فى وزارة الدفاع الأمريكية قوله إن العملية العسكرية فى فنزويلا ستحتاج ما بين 25 ألف إلى 30 ألف جندى أمريكى، مضيفاً أن حجم العملية ونجاحها سيعتمد على ولاء القوات العسكرية الفنزويلية للرئيس مادورو.

وأضاف، بحسب مقتطفات نقلها موقع هيئة الإذاعة البريطانية، أنه لا بد من حصول تأييد لهذه العملية أيضاً من قبل الدول المجاورة لفنزويلا، وأن تكون لديهم رغبة فى المشاركة فى العمل على تنحية مادورو من منصبه. وأردف أن كولومبيا أكدت عدم رغبتها فى المشاركة فى مثل هذه العملية، أو حتى دعمها، إلا أن البرازيل التى تسعى حالياً لنيل رضى الولايات المتحدة سيكون لها موقفا آخر.

ورغم أن هذا السيناريو لحسم أزمة الشرعية هو الأسوأ، يظل تدخل أى طرف خارجى عسكريا أمرا مطروحا وفى مقدمة تلك الأطراف الولايات المتحدة، كما يرجح خبراء على إقدام روسيا، الحليف الأبرز لنظام مادورو بتحرك مماثل لتثبيت أركان حكمه.

ختاما، يمكن القول أن التطورات مازالت لم تؤت بأى تغيير فى الواقع على الأرض حتى الآن، فالرئيس نيكولاس مادورو مازال متمسكا بسلطاته، فى حين يبقى الاعتراف الأمريكى سلاح جوايدو لانتزاع السلطة من براثن مادورو، بينما انقسم الفنزويليين فى الميادين، ليؤيد قطاع منهم الرئيس الحالى، فى حين اتجه قطاع آخر لتأييد رئيس البرلمان، فى مشهد ربما ينذر بصراع أهلى لن يخلو بأى حال من الأحوال من تدخلات دولية، مما يرجع السيناريوهين الأول والرابع، وقد تعيد إلى الأذهان مآسى كبيرة شهدتها دولا أخرى فى العديد من مناطق العالم، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط.